العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٧٢ - من صحب من ليس من نظرائه لخصال فيه
و قال بعض المحدثين:
أ لست ترى أن الزمان طواني # و بدّل عقلي كلّه و براني [١]
تحيّفني عضوا فعضوا فلم يدع # سوى اسمي صحيحا وحده و لساني [٢]
و لو كانت الأسماء يدخلها البلى # إذا بلي اسمي لامتداد زماني
و ما لي لا أبلى لسبعين حجّة # و سبع أتت من دونها سنتان
إذا عنّ لي شيء تخيّل دونه # شبيه ضباب أو شبيه دخان
و قال الغزّال:
أصبحت و اللّه محمودا على أمد # من الحياة قصير غير ممتد
حتى بقيت بحمد اللّه في خلف # كأنّني بينهم من وحشة وحدي
و ما أفارق يوما من أفارقه # إلاّ حسبت فراقي آخر العهد
و قال آخر:
يا من لشيخ قد تخدّد لحمه # أفنى ثلاث عمائم ألوانا [٣]
سوداء حالكة و سحق مفوّف # و أجدّ لونا بعد ذاك هجانا [٤]
قصر الليالي خطوه فتدانى # و حنين قائم صلبه فتحانى
صحب الزمان على اختلاف فنونه # فأراه منه شدّة و ليانا
و الموت يأتي بعد ذلك كلّه # و كأنّما يعني بذاك سوانا
و قال سفيان الثوري في مدح كبره:
إنّي و إن كان مسّني كبر # على ما قد ترين من كبري
أعرف من قبل أن تفارقني # موقع سهمي و السهم في الوتر
من صحب من ليس من نظرائه لخصال فيه
كان حارثة بن بدر الغداني فارس بني تميم، و كان شاعرا أديبا ظريفا، و كان
[١] براه: أنحله.
[٢] تحيّف: أنقص.
[٣] تخدّد: هزل و نقص.
[٤] السحق: الثوب البالي، و المفوّف: الموشّى.