العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١٤ - النبي صلّى اللّه عليه و سلم و عبد اللّه ابن عمرو و قد شكته زوجه
قدر الدنيا، لو كانت لك لأنفقتها في سبيل اللّه. إن اللّه يعطي على قدر الألم و المصيبة، و عنده بعد تضعيف كثير.
و قال له الربيع: يا أمير المؤمنين، إني لأشكو إليك عاصم بن زياد. قال: و ماله؟ قال: لبس العباء، و ترك الملاء، و غمّ أهله، و أحزن ولده. قال: عليّ عاصما. فلما أتاه، عبس في وجهه، و قال: ويلك يا عاصم!أ ترى اللّه أباح لك اللذات و هو يكره منك أخذك منها؟أنت أهون على اللّه من ذلك. أ و ما سمعته يقول: مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيََانِ `بَيْنَهُمََا بَرْزَخٌ لاََ يَبْغِيََانِ [١] حتى قال: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَ اَلْمَرْجََانُ [٢] . و تاللّه لابتذال نعم اللّه بالفعال أحبّ إليّ من ابتذالها بالمقال، و قد سمعته يقول: وَ أَمََّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [٣] و قوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللََّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبََادِهِ وَ اَلطَّيِّبََاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ [٤] .
قال عاصم: فعلام اقتصرت أنت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن و أكل الحشف [٥] ؟ قال: إن اللّه افترض على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بالعوام، لئلا يشنع [٦]
بالفقير فقره.
قال: فما خرج حتى لبس الملاء و ترك العباء.
النبي صلّى اللّه عليه و سلم و عبد اللّه ابن عمرو و قد شكته زوجه:
محمد بن حاطب الجمي قال: حدّثني من سمع عمرو بن شعيب، و كنت سمعته أنا و أبي جميعا، قال: حدّثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد اللّه بن مسعود، قال: أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ذات يوم أم عبد اللّه بن عمرو ابن العاص،
[١] سورة الرحمن الآية ٢٠.
[٢] سورة الرحمن الآية ٢٢.
[٣] سورة الضّحى الآية ١١.
[٤] سورة الأعراف الآية ٣٢.
[٥] الحشف: الخبز اليابس أو أردأ التمر.
[٦] يشنع: يقبح و يعظم.