العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١ - المأمون و ابن يوسف في حكاية ضده
المأمون و ابن يوسف في حكاية ضده:
محمد بن القاسم الهاشمي أبو العيناء، قال: كان أحمد بن يوسف الكاتب قد تولى صدقات البصرة، فجار فيها و ظلم، فكثر الشاكي له و الداعي عليه، و وافى باب أمير المؤمنين زهاء خمسين رجلا من جلة البصريين: فعزله المأمون، و جلس لهم مجلسا خاصا و أقام أحمد بن يوسف لمناظرتهم، فكان مما حفظ من كلامه أن قال:
يا أمير المؤمنين، لو أن أحدا ممن ولي الصدقات سلم من الناس لسلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، قال اللّه عز و جل: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي اَلصَّدَقََاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهََا رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهََا إِذََا هُمْ يَسْخَطُونَ [١] .
فأعجب المأمون جوابه. و استجزل مقاله، و خلّى سبيله، محمد بن القاسم الهاشمي أبو العيناء قال: قال لي أبو عبد اللّه أحمد بن أبي داود:
دخلت على الواثق، فقال لي: ما زال قوم في ثلبك و نقصك!فقلت: يا أمير المؤمنين، لكلّ امرئ منهم ما اكتسب من الإثم و الذي تولّى كبره منهم له عذاب عظيم، و اللّه وليّ جزائه، و عقاب أمير المؤمنين من ورائه، و ما ذل من كنت ناصره، و لا ضاع من كنت حافظه، فما ذا قلت لهم يا أمير المؤمنين؟قال: قلت أبا عبد اللّه.
و سعى إليّ بعيب عزّة معشر # جعل الإله خدودهنّ نعالها
قال أبو العيناء: قلت لأحمد بن أبي داود: إن قوما تظافروا عليّ!قال: يَدُ اَللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [٢] قلت: إنهم عدد و أنا واحد!قال: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً [٣] قلت: إن للقوم مكرا!قال: وَ لاََ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاََّ بِأَهْلِهِ [٤] .
قال أبو العيناء: فحدّثت بهذا الحديث أحمد بن يوسف الكاتب، فقال: ما يرى ابن أبي داود إلا أنّ القرآن أنزل عليه.
[١] سورة التوبة الآية ٥٨.
[٢] سورة الفتح الآية ١٠.
[٣] سورة البقرة الآية ٢٤٩.
[٤] سورة فاطر الآية ٤٣.