تهذيب الأُصول - ط نشر آثار الإمام الخميني - السبحاني، الشيخ جعفر؛ تقرير بحث السيد روح الله الخميني - الصفحة ٧٦
ولعلّ الذي دعا هذا القائل ومن وافقه على مقالته إلى هذا القول هو تخيّل أ نّه لو كانت الجمل موضوعة للنسب الواقعية لما كان لها معنى في الأخبار الكاذبة ; لانتفاء النسب الخارجية هناك . ولكنّهم غفلوا عن شيء : وهو أنّ هذا الإشكال مشترك الورود على القولين ; فإنّها لو كانت موضوعة للنسب الذهنية الكاشفة توجّه الإشكال أيضاً ; لأ نّه لا معنى للكشف من دون مكشوف خارجي ، فإنّ الكشف والإيضاح أشبه شيء بالتضائف و«المتضائفان متكافئان قوّة وفعلا» والأخبار الكاذبة لا تحقّق لنسبتها في وعاء العين حتّى تكشف عنها الصور الذهنية .
والقول بأنّ المراد من الكاشف ما هو كذلك بالقوّة وما له صلاحية له رجوعٌ عن المبنى والتزام بكونها موضوعة للصور الذهنية بما هي هي ; إذ شأنية الكشف ثابتة لها مطلقاً ، وهو واضح الفساد .
وحلّ العقدة : أ نّه ليس الاستعمال إلاّ جعل اللفظ وسيلة لانتقال ذهن السامع إلى المعنى الخارجي ـ انتقالا بالعرض لا بالذات ـ وفي هذا الانتقال بالعرض لايلزم أن يكون المعنى محقّقاً .
وإن شئت قلت : إنّ الاستعمال وإن كان طلب عمل اللفظ في المعنى إلاّ أنّ مرجعه إلى إرائة المعنى للمخاطب ، وانتقاله من سماعه إليه ، وهذا يشترك فيه الأخبار الصادقة والكاذبة ، ولا يلزم أن يكون للمنتقل إليه وجود في الخارج ، بل يتوقّف على مجرّد تصوّره .
والظاهر : أ نّه قد غرّه ظاهر لفظ الاستعمال ، مع أ نّك خبير بأ نّه يصحّ إطلاقه ; حتّى في الموارد التي ليست معانيها متحقّقة في الخارج ، كما في قولنا «شريك البارئ ممتنع» و«المجهول المطلق لايخبر عنه» والاستعمال في الجميع بوزان واحد ، والمخبر عن امتناعه إنّما هو شريك البارئ الواقعي لا الذهني ، فقد استعمل هنا لفظ «شريك البارئ» في معناه الواقعي ، مع أ نّه لا وجود له في الخارج .