الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٩ - الخطوة السّادسة «النيّة» و «إخلاص النيّة»
و لأجل السّير في طريق تهذيب الأخلاق و السلوك إلى اللَّه تعالى، نحتاج إلى نيّة جادّةٍ، و إرادةٍ حاسمةٍ، لأنّ ضعف الإرادة، يمثّل أكبر عائقٍ أمام تحقيق ما يطمح إليه الإنسان، في دائرة التّكامل الأخلاقي، فأيّ مانع يقف بوجهه، سُرعان ما يُولّي دُبُرَه و يعود أدراجَه، فالضّعف في عنصر الإرادة، بإمكانه أن يتَسرّب إلى سائر القوى الباطنيّة، و بالعكس، فإنّ القويُّ الإرادة، سيقوم بتوظيف قِواه، و ملكاته الداخليّة، و يدفعها بقوةٍ نحو الهدف المنشود.
و هذا هو الأمر، الذي عبّر عنه القرآن الكريم ب: «العزم»، و قد سُمّي الأنبياء العظام، لعزمهم القوي، و إرادتهم الحديديّة، ب الأنبياء أولو العزم) [١]
فخاطب القرآن الكريم، الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، قائلًا: «فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكّل عَلَى اللَّهِ» [٢].
و بالنسبة لآدم عليه السلام، قال: «وَلَقَدْ عَهِدنا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» [٣]، حيث تناول من الشّجرة الممنوعة، ولم تكن لديه إرادةٌ قويةٌ في خطّ الطّاعة.
أمّا في دائرة الرّوايات الشّريفة، فنرى أنّها توّجهت إلى عنصر العزم، و أكّدت عليه من موقع الأهميّة. ومنها:
ما نقل عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام، في أدعية رجب، نقرأ: «وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَفضَلَ زَادِ الرَّاحِلِ إِلَيكَ عَزْمُ إِرادَةٍ يَخْتارُكَ بِها وَ قَدْ ناجاكَ بِعَزمِ الإِرادَة قَلبي» [٤].
و في حديث آخر عن الصّادق عليه السلام، قال: «إِنّما قَدَّرَ اللَّهُ عَوْنَ العِبادِ عَلى قَدْرِ نَيّاتِهِم، فَمَن صَحَّتْ نِيَّتَهُ تَمَّ عَوْنُ اللَّهِ لَهُ، وَ مَنْ قَصُرَتْ نِيَّتَهُ قَصُرَ عَنْهُ العَوْنَ بِقَدْرِ الَّذِي قَصَّرَهُ» [٥].
و في حديثٍ آخر، عنه عليه السلام: «ما ضَعُفَ بَدَنٌ عَمّا قَوِيتْ عَلَيهِ النِّيَّةُ» [٦].
فهذا الحديث، يبيّن لنا فاعليّة الإرادة، و دورها في الصّعود بالقوى الجسمانيّة، إلى أبعد الحدود والمراتب في حركة الإنسان.
[١]. ورد في مقاييس اللغة: أن العزم في الأصل بمعنى القطع، و الإرادة القاطعة اخذت منه.
[٢]. سورة آل عمران، الآية ١٥٩.
[٣]. سورة طه، الآية ١١٥.
[٤]. نقله المحدّث القمي في مفاتيحه، عن إبن طاووس رحمهما اللَّه تعالى، و هو في أعمال شهر رجب المُرجّب.
[٥]. بحار الأنوار، ج ٦٧، ص ٢١١.
[٦]. المصدر السابق، ص ٢٠٥، ح ١٤.