الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٦ - ٣- عموميّة التوبة
شركهم وقبلت توبتهم، و كذلك كلّ من يدخل في الإسلام في عصرنا الحاضر، فتوبته مقبولةٌ عند جميع علماء المسلمين، ولكن إذا مات المُشرك و هو على شِركه، فلن يتوب اللَّه تعالى عليه، أمّا في حالة أن يموت على التّوحيد، ولكنّه قد إرتكب ذنوباً في سالف حياته، فمن الممكن أن يعفو عنه اللَّه تعالى، وهذا ما نستوحيه من مفهوم الآية الكريمة.
وخلاصة القول، أنّ المشركين لن يشملهم العفو الإلهي المنفتح على الخلق، بل هو للمؤمنين الموحّدين، و التّوبة تغفر كلّ الذنوب حتى الشّرك.
ثانياً و ثالثاً: يجب أن تكون التّوبة مُباشرةً بعد الذنب، و لا تؤخّر إلى وقتٍ بعيدٍ، و كذلك يجب أن يكون إرتكاب الذنب عن جهالةٍ لا عن عنادٍ، و نقرأ في الآية (١٧) من سورة النساء:
«إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً».
والجدير بالملاحظة، أنّ كثيراً من المفسّرين، حملوا هذه الآية على التّوبة الكاملة، لأنّه من الطّبيعي، عندما يُذنب الإنسان من موقع العناد و الغيّ، ثم يتوجّه لحقيقة الحال، و يندم على أفعاله السّابقة، فإنّ الباري تعالى يتوب عليه، و قد حدّثنا التأريخ عن نماذج كثيرةً و أفراداً كانوا في صفوف المُعاندين و الأعداء، ثم رجعوا عن غيّهم و تابوا، و عادوا إلى حضيرة الإيمان و الصّلاح.
و من المعلوم حتماً، لو أنّ الإنسان أمضى عمره بالذّنوب و العصيان، ولكن تاب بعدها توبةً نصوحاً، و تحول من دائرة المعصية والإثم، إلى دائرة الطّاعة و الإيمان، فإنّ اللَّه تعالى سيقبل توبته لا محالة.
و نقرأ في الحديث المشهور عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال:
«مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِسَنَةٍ تابَ اللَّهُ عَليهِ، وَقَالَ: ألا وَسنَةُ كَثِيرَ، مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِشَهْرٍ تابَ اللَّهُ عَلَيهِ، وَقَالَ: شَهْرُ كَثِيرٌ، مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِجُمْعَةٍ تابَ اللَّهُ عَلَيهِ، قَالَ: وَجُمْعَةُ كَثيرٌ، مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ مَوتِهِ بِساعَةٍ تابَ اللَّهُ عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَ ساعَةُ كَثِيرٌ، مَنْ تابَ إِلى اللَّهِ قَبْلَ أنْ يُغَرغِرَ بِالمَوتِ تابَ اللَّهُ عَلَيهِ» [١].
[١] مستدرك الوسائل، ج ١٢، ص ١٤٥، (باب صحة التوبة في آخر العمر، ح ٥).