الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٥ - ٢- الدّعامة العقليّة
أصالة الأخلاق، ويقلل من قيمتها وقدسيّتها، ومن ناحيةٍ اخرى فإنّ الإنسان في حالة تقاطع مصلحته مع الأخلاق، فإنّه سيضرب بالأخلاق عَرض الحائط، و يتّبع مصلحته الشخصيّة، الّتي إعتبرها دعامته و أساسه، في حركة السّلوك الإجتماعي والأخلاقي.
٢- الدّعامة العقليّة
الفلاسفة الّذين يعتقدون بحكومة العقل ولزوم اتّباعِه في كلّ شيء، يعتبرون دعامة الأخلاق هي إدراك العقل: للقبيح والحسن من الأفعال والصّفات الأخلاقيّة، فمثلًا يقولون أنّ العقل يُدرك جيّداً أنّ الشّجاعة فضيلةٌ والجبنُ رذيلةٌ، و الأمانةُ و الصّدقُ فضيلةٌ وكمالٌ، و الخيانةُ و الكذبُ نقصانٌ، ونفس إدراك العقل لها، هو الباعث والمحرّك لإتّباع الفضائل وترك الرذائل.
وقال البعض الآخر، إن إدراك الوجدان هو الأساس، فيقولون: أنّ الوجدان وهو العقل العملي، أهمّ شيء في الإنسان، لأنّ العقل النّظري يمكن أن يُخطيء، ولكن الوجدان و الضّمير ليس كذلك، وبإمكانه أن يقود البشريّة إلى ساحل الأمن والسّعادة.
و عليه، و بما أنّ الوجدان يقول: إنّ الأمانة و الصّدق و الإيثار، و السّخاء، و الشّجاعة هي امور حسنةٌ وجيّدةٌ، فهو بمفرده يكون دافعاً و مُحرّكاً، نحو نيل تلك الأهداف والفضائل.
وكذلك بالنّسبة للبُخل، والأنانيّة و أمثالها، فإنّ الوجدان يقول أنّها قبيحة، وذلك يكفي في الإرتداع عنها وتركها.
وهنا تتحد الدّعامة العقلية و الوجدانيّة، فهما تعبيران مختلفان لحقيقةٍ واحدةٍ.
و لا شكّ أنّ وجود هذا الأساس و الدّعامة للأخلاق، لا يخلو من حقيقةٍ، و هو في حدّ ذاته دافعٌ حسنٌ للسّعي إلى تربية النّفوس، و ترشيد الفضائل الأخلاقية، في واقع الإنسان والمجتمع.
ولكن و بالنّظر إلى ما ذكرناه في بحث الوجدان [١]، فإنّ الوجدان يمكن أن يُخدع، هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ اخرى: أنّ الوجدان و بالتّكرار لفعل القبائح و الرّذائل، فإنّه سيأنس بها
[١]. الرّجاء الرجوع إلى، كتاب قادةٍ عظماء، ص: (٦٣- ١٠٦).