الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٠ - ٢- مراتب الذّكر
المرحلة الثّالثة: الذّكر القلبي، و قالوا في تفسيره، إنّه الإحساس الوجداني بحضور اللَّه تعالى، في أجواء القلب، ثم جريان ذكر اللَّه على اللّسان، فعندما يرى عجائب خلقته، و دقائق صنعته، من أرضٍ و سماءٍ و مخلوقاتٍ، و ما بثّ فيها من دابّةٍ، سيقول: «العَظَمَةُ للَّهِ الوَاحِدِ القهَّارِ».
فهذا الذّكر نابعٌ من القلب، و ينبىءُ عن حالةٍ باطنيّةٍ في داخل الإنسان.
و مرّةَ يشهد الإنسان في نفسه، نوعاً من الحُضور المعنوي للَّهتعالى، من دون واسطةٍ، فيترنّم بأذكارٍ، مثل «يا سُبُّوحُ وَيا قُدُّسُ» أو «سُبحانَكَ لا إِلَهَ إِلّا أَنْتَ».
و هذا الأذكار القلبيّة، لها دورها الفاعل في تهذيب النّفوس وتربية الفضائل الأخلاقيّة، كما عاشت الملائكة هذا النوع من الذّكر، عندما شاهدوا آدم عليه السلام، وسِعة علمه و إطلّاعه على الأسماء الإلهيّة، فقالوا: «سُبْحَانَكَ لَاعِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» [١].
و أشار القرآن الكريم، إلى مراحلٍ من الذّكر، فقال: «وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا» [٢].
و في مكانٍ آخر، يقول: «وَاذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالاصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ» [٣].
ففي الآية الاولى، نجد تقريراً على مستوى التّوجه لِلذكر اللّفظي العميق، ثم التّبتل و الإنقطاع إلى اللَّه تعالى، أَيْ: التّحرك من موقع الإبتعاد عن الناس، و الإتصال باللَّه تعالى في خطّ العبادة و الذّكر.
و الآية الثّانية: تتحدث عن الذّكر القلبي، الذي يؤدّي إلى أن يعيش الإنسان، حالة التّضرع و الخوف من الباري تعالى، في أجواء الذكر الخفي، فتتحرك عمليّة الذّكر بشكلٍ بطيءٍ من الباطن و تجري على اللّسان.
[١]. سورة البقرة، الآية ٣٢.
[٢]. سورة المزّمل، الآية ٨.
[٣]. سورة الأعراف، الآية ٢٠٥.