الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٨ - تفسير و إستنتاج
الوصول إلى الكمال المطلقُ و يتحرك على مستوى تهذيب النّفس، عليه أنّ يسلك طريق العبادة، فالسّائر في خطّ الإستقامة و التّربية، ولأجل أن يبني نفسه، و يحصل على ملكة التّقوى، عليه أنّ يَعبُد و يَدعو اللَّه تعالى، من موقع العِشق و الشّوق ليوفقه في ذلك، ويطلب منه العَون، لإزالة شوائب نفسه، لِتّتصل النّقطة بالبحر، و لِتَنْدَكّ ذاته بالذّات الأزليّة، و يتحول نحاس وجوده، في بوتقة العِشق، إلى ذهبٍ خالصٍ.
هنا تحرّكت «الآية الأُولى»، لتخاطب جميع الناس بدون إستثناء، أن يسلكوا إلى اللَّه من موقع العِبادة، وأرشدتهم لِطريق التقوى، فقالَ تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».
و التّأكيد على مسألة الخلقة للأوّلين، لعلها تقع في دائرة تنبيه العَرب الجاهلين، الذين كانوا يستدلون بعبادتهم للأصنام، بسنّة آباهم، فيقول الباري: إنّنا خلقناكم و الجِبلّة الأولين، نعم فهو الخالق والمالك لكلّ شيءٍ و لا يستحق العبادة أحدٌ إلّاهو، وإذا ما توجه الإنسان، حقيقةً نحو الباري تعالى، فستتفتح في جوانحه عناصر الخير و التّقوى، لأنّ ما يوجد من الشّوائب في النفس، إنّما هو بِسبب التّوجه لغير اللَّه، من موقع العبادة الزّائفة.
فهذه الآية تبيّن معالم الرّابطة والعلاقة الوثيقة، بين العبادة التقوى.
و تطرقت «الآية الثّانية»، للحديث عن عبادةٍ مهمّةٍ، و هي الصّوم و علاقته بالتّقوى، فقال:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».
و من المعلوم أنّ الصّوم يُنوّر القلب و يجلوه، بحيث يحسّ معه الإنسان أنّه يعيش القُرب من الحسنات، و البُعد عن السّيئات و القَبائح، والإحصائيات التي ترد في هذا الشّهر من المصادر المختصّة عن الجرائم، تشير إلى أنّها تصل إلى أدنى مستوى، في شهر رَمضان، و أنِّ الشرّطة في هذا الشّهر المُبارك، يتفرّغون لِلأهتمام بامور اخرى، إداريّة عالقة بالأشهر الماضية!!.
و هذا الأمر إنّ دلّ على شيءٍ، فهوَ يدلّ على أنّ الإنسان، كلّما إقترب من اللَّه تعالى، في خطّ العبوديّة و الطّاعة، فإنّه يبتعد عن الموبقات و الآثام، و القبائح بنفس المقدار.