الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨١ - التّفاسير السّبعة، لحديث من عَرف نفسه
٣- و يمكن لهذا الحديث، أن يدلّنا على: «برهان العلّة والمعلول»، فكلّ إنسان يَتَفكر في نفسه، قليلًا فسوف يعرف أنّه معلول، لعلّةٍ اخرى منذ وجوده، و عندما ينظر لأبيه سيراه هو أيضاً معلولًا لعلّةٍ اخرى، و هكذا حتى يصلَ إلى علّةِ العلل، و إلّايلزم التسّلسل، و بطلان التّسلسل، أمرٌ مفروغٌ عنه لدى الحكماء [١].
و عليه، يجب أن تصل العلل إلى العلّة الاولى، التي لا تحتاج إلى عِلّة، فعلّة العِلل: وجوده في ذاته، فعندما يرى الإنسان نفسه بهذا الوصف، فإنّه سيصل إلى الباري سبحانه و تعالى، من خلال هذا القانون العقلي.
٤- و يمكن أن يكون هذا الحديث، إشارة إلى «بُرهان الفطرة»، فعندما يعرف الإنسان في تأمل حَنايا نفسه، و جَوانب فطرته، فسوف يتجلّى له نورُ التّوحيد، و ينفتح على اللَّه تعالى، ويصل من «معرفة النفس»، إلى «معرفة اللَّه»، ولن يحتاج إلى دليلٍ آخر يقوده إلى اللَّه تعالى.
٥- و يمكن أن يكون الحديث، ناظراً إلى مسألة: «صفات اللَّه تعالى»، بمعنى أنّ الإنسان عندما يرى محدوديّته، في دائرة حالاته و صفاته في عامل الإمكان، سيصل إلى نقاطِ ضعفهُ و يُدرك من خلال محدوديّته في مجال الصّفات البشريّة، لا محدوديّة اللَّه تعالى، لأنّه لو كان مخلوقاً مثله، لكان محدوداً أيضاً، و من فنائه إلى بَقائه تَبارك و تعالى، لأنّه لو كان مخلوقاً أيضاً لكان فانياً، و كذلك يُدرك من خلال إحتياجاته و فَقره، إستغناء اللَّه وعدم حاجته عمّا سواه، و يُدرك قوّة الباري من خلال فَقره وحاجته هو ... وهكذا، وهذا ما يشير إلى كلام أمير المؤمنين عليه السلام، في أوّل خطبةٍ، حيث يقول:
«وَكَمالُ الإِخلاصِ لَهُ نَفي الصِّفات عَنْهُ، لِشَهادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّها غَيرُ المَوصُوفِ، وَ شَهادَةِ كُلِّ مَوصُوفٍ أَنَّهُ غَيرُ الصِّفَةِ» [٢].
٦- و نقل العلّامة المجلسي رحمه الله، تفسيراً آخر لهذا الحديث، عن بعض العلماء، أنّه قال:
(الرّوح لطيفةٌ لاهوتيّة في صفةٍ ناسوتيّةٌ: دالّةٌ من عشرة أوجهٍ، على وحدانيّة اللَّه وَ رَبّانِيَّتِهْ:
١- لما حرّكت التهيكَل و دبّرته، علمنا أنّه لابدّ لِلعالم من مُحرّكٍ و مُدبِّرٍ.
[١]. من أراد التّوضيح، فيراجع كتاب: «نفحات القرآن ج ٢».
[٢]. نهج البلاغة، الخطبة ١.