الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٩ - ٣- معرفة النّفس طريقٌ لمعرفة الرّبّ
الأسباب ما غَرّتهُ و إستهوته، لا يسعه أن ينكر أنّه لا يملك وجود نفسه، و لا يستقلّ بِتدبير أمره، ولو ملك نفسه،- لوقاها ممّا يكرهه من الموت، و سائر آلام الحياة مَصائبها، و لإستقلّ بتدبير أمره، لم يفتقر إلى الخضوع، قبال الأسباب الكونيّة.
فالحاجة إلى ربٍّ:- مَلِكٍ مُدَبّرٍ-؛ حقيقة الإنسان، والفقر مكتوبٌ على نفسه، و الضعف مطبوعٌ على ناصيته، لا يخفى ذلك على إنسانٍ له أدنى الشّعور الإنساني، والعالم و الجاهل، و الصّغير و الكبير، و الشّريف و الوضيع، في ذلك سواء.
فالإنسان في أيّ منزلٍ من منازلِ الإنسانية نزل، يشاهد من نفسه أنّ له رباً يملكه و يدبّر أمره، وكيف لا يشاهد ربّه، و هو يشهد حاجته الذاتيّة؟
ولذا قيل: إنّ الآية تشير إلى ما يشاهده الإنسان في حياته الدنيا. أنّه محتاج في جميع جهات حياته، من وُجوده وما يتعلق به وجوده من اللّوازم و الأحكام، و معنى الآية أنّا خلقنا بني آدم في الأرض، و فرّقناهم، و ميّزنا بعضهم من بعضٍ بالتّناسل و التّوالد، وأوقفناهم على إحتياجهم ومربوبيتهم لنا، فإعترفوا بذلك قائلين، بلى شَهِدنا أنّك ربّنا» [١].
و بناءاً على ذلك، يثبت لنا أنّ التّعرف على حقيقة الإنسانيّة، بخصوصياتها و صفاتها، هي السّبب و الأساس لمعرفة الباري تعالى شأنه.
و الحديث المعروف، الذي يقول: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عِرَفَ رَبَّهُ»، ناظر إلى هذه المسألة بالذات.
و قد نقل هذا الحديث مرّةً عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، و مرّةً اخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام، و مرّةً نُقل عن صُحف إدريس عليه السلام.
فجاء في بحار الأنوار نقلًا عن صحف إدريس عليه السلام، في الصّحيفة الرّابعة، و التي هي صحيفة المعرفة: «مَنْ عَرَفَ الخِلْقَ عَرَفَ الخالِقَ، وَ مَنْ عَرَفَ الرِّزْقَ عَرَفَ الرَّازِقَ، وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ» [٢].
[١]. تفسير الميزان، ج ٨، ص ٣٠٧، ذيل الآية المبحوثة، (مع التلخيص).
[٢]. بحار الأنوار، ج ٩٢، ص ٤٥٦؛ ج ٥٨، ص ٩٩؛ ج ٦٦، ص ٢٩٣، و نقل عن المعصوم عليه السلام، و في ج ٢، ص ٣٢ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله.