الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩ - ٤- علاقة العلم بالأخلاق
هؤلاء يدّعون أنّه لا يوجد إنسان يتجه نحو الرّذيلة وهو على علم بها، وإذا ما شخّصَ الإنسان الفضيلة فسوف لن يتركها، ولذلك يتوجّب علينا كسب العلم، ومعرفة الخير وتمييزه من الشر لنا و لغيرنا، كي تزرع في نفوسنا بذور الفضائل الأخلاقية!.
وفي المقابل يوجد من ينفي هذهِ العلاقة بين الإثنين بالكامل، لأنّ العلم والذكاء للإنسان المجرم سيكون عاملًا مساعداً له في إرتكاب جرائم أخطر، وعلى حدّ تعبير المثل الذي يقول:
(إذا كان مع اللص مصباحاً فانه سوف ينتفي البضائع الجيدة).
ولكن الحق و الإنصاف أنّه ليس بإمكاننا نفي تأثير العلم بالكامل، و لا نفي معلولية أحداهما للاخر.
والشّاهد على ذلك المُثل الحيّة التي نراها في المجتمع، فكثيراً ما شاهدنا اناساً كانوا يفعلون الرذائل، و عندما أدركوا قبح فعالهم ونتائجها السيئة، أقلعوا عنها و إتجهوا نحو الفضائل، ووجدنا هذا الأمر حتى في وقتنا الحاضر هذا.
وفي المقابل نعرف أشخاصاً عندهم المعرفة التامة بالخير والشرّ، ولكنهم يُصرّون على الشرّ و هو متأصل في نفوسهم.
و كلّ ذلك لأنّ الإنسان لديه بُعدان: بعد العلم و الادراك و بُعد عملي، وهو الميول والغرائز والشّهوات، و لأجل ذلك فساعةً يميل الى هذا، و ساعةً يُرجحُ ذلك.
والذي يقول بأحد القولين، فانه يفترض أنّ الإنسان فيه بُعدٌ واحد لا أكثر، ويغفل عن وجود البعد الآخر.
ونشير هنا إلى الآيات القرآنية التي وردت في هذا الباب، و التي أكدت على التّأثير المتبادل بين عُنصر الجهل وسوء العمل، قال تعالى:
«أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَانَّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ؛» [١].
ويوجد شبيه لهذا المعنى في سورة النساء: الآية (١٧)، وسورة النحل: الآية (١١٩).
ومن البديهي أنّ الجهل المذكور ليس هو الجهل المطلق الذي لا يوائم التوبة، بل هو مرتبةٌ من مراتب الجهل، فإذا إرتفع فسوف يهتدي الإنسان بعدها للطّريق القويم.
[١]. سورة الأنعام، الآية ٥٤.