دانشنامه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٨٦
٨٠٤.الإمام زين العابدين عليه السلام ـ في كِتابِهِ إلى مُحَمَّدِ بنِ مُسلِمٍ الزُّهرِيِّ يَعِظُهُ ـ :كَفانَا اللّهُ وإيّاكَ مِنَ الفِتَنِ ورَحِمَكَ مِنَ النّارِ ، فَقَد أصبَحتَ بِحالٍ يَنبَغي لِمَن عَرَفَكَ بِها أن يَرحَمَكَ ، فَقَد أثقَلَتكَ نِعَمُ اللّهِ بِما أصَحَّ من بَدَنِكَ وأطالَ مِن عُمُرِكَ ، وقامَت عَلَيكَ حُجَجُ اللّهِ بِما حَمَّلَكَ مِن كِتابِهِ ، وفَقَّهَكَ فيهِ مِن دينِهِ ، وعَرَّفَكَ مِن سُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله ، فَرَضِيَ لَكَ في كُلِّ نِعمَةٍ أنعَمَ بِها عَلَيكَ ، وفي كُلِّ حُجَّةٍ اِحتَجَّ بِها عَلَيكَ الفَرضَ بِما قَضى ، فَما قَضى إلَا ابتَلى شُكرَكَ في ذلِكَ وأبدى فيهِ فَضلَهُ عَلَيكَ ، فَقالَ : «لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ» . [١] فَانظُر أيَّ رَجُلٍ تَكونُ غَدا إذا وَقَفتَ بَينَ يَدَيِ اللّهِ فَسَأَلَكَ عَن نِعَمِهِ عَلَيكَ كَيفَ رَعَيتَها ؟ وعَن حُجَجِهِ عَلَيكَ كَيفَ قَضَيتَها ؟ ولا تَحسَبَنَّ اللّهَ قابِلاً مِنكَ بِالتَّعذيرِ ولا راضِيا مِنكَ بِالتَّقصيرِ ، هَيهاتَ هَيهاتَ ! لَيسَ كَذلِكَ ، أخَذَ عَلَى العُلَماءِ في كِتابِهِ إذ قالَ : «لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ» . [٢] وَاعلَم أنَّ أدنى ما كَتَمتَ وأخَفَّ مَا احتَمَلتَ أن آنَستَ وَحشَةَ الظّالِمِ وسَهَّلتَ لَهُ طَريقَ الغَيِّ بِدُنُوِّكَ مِنهُ حينَ دَنَوتَ وإجابَتِكَ لَهُ حينَ دُعيتَ ، فَما أخوَفَني أن تَكونَ تَبوءُ بِإِثمِكَ غَدا مَع الخَوَنَةِ ، وأن تُسأَلَ عَمّا أخَذتَ بِإِعانَتِكَ عَلى ظُلمِ الظَّلَمَةِ ، إنَّكَ أخَذتَ ما لَيسَ لَكَ مِمَّن أعطاكَ ، ودَنَوتَ مِمَّن لَم يَرُدَّ عَلى أحَدٍ حَقّا ولَم تَرُدَّ باطِلاً حينَ أدناكَ ، وَأحبَبتَ ( / وَأجَبتَ) مَن حادَّ اللّهَ . أوَلَيسَ بِدُعائِهِ إيّاكَ حينَ دَعاكَ جَعَلوكَ قُطبا أداروا بِكَ رَحى مَظالِمِهِم ، وجِسرا يَعبُرونَ عَلَيكَ إلى بَلاياهُم ، وسُلَّما إلى ضَلالَتِهِم ؟! داعِيا إلى غَيِّهِم ، سالِكا سَبيلَهُم ، يُدخِلونَ بِكَ الشَّكَّ عَلَى العُلَماءِ ، ويَقتادونَ بِكَ قُلوبَ الجُهّالِ إلَيهِم ، فَلَم يَبلُغ أخَصُّ وُزَرائِهِم ولا أقوى أعوانِهِم إلّا دونَ ما بَلَغتَ مِن إصلاحِ فَسادِهِم وَاختِلافِ الخاصَّةِ وَالعامَّةِ إلَيهِم ، فَما أقَلَّ ما أعطَوكَ في قَدرِ ما أخَذوا مِنكَ ؟! وما أيسَرَ ما عَمَروا لَكَ فَكَيفَ ما خَرَّبوا عَلَيكَ ؟! فَانظُر لِنَفسِكَ فَإِنَّهُ لا يَنظُرُ لَها غَيرُكَ ، وحاسِبها حِسابَ رَجُلٍ مَسؤولٍ . وَانظُر كَيفَ شُكرُكَ لِمَن غَذّاكَ بِنِعَمِهِ صَغيرا وكَبيرا ؟ فَما أخوَفَني أن تَكونَ كَما قالَ اللّهُ في كِتابِهِ : «فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَْدْنَى وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا» [٣] . إنَّكَ لَستَ في دارِ مُقامٍ ، أنتَ في دارٍ قَد آذَنَت بِرَحيلٍ ، فَما بَقاءُ المَرءِ بَعدَ قُرَنائِهِ ؟! طوبى لِمَن كانَ فِي الدُّنيا عَلى وَجَلٍ ، يا بُؤسَ لِمَن يَموتُ وتَبقى ذُنوبُهُ مِن بَعدِهِ ! اِحذَر فَقَد نُبِّئتَ ، وبادِر فَقَد اُجِّلتَ ، إنَّكَ تُعامِلُ مَن لا يَجهَلُ ، وإنَّ الَّذي يَحفَظُ عَلَيكَ لا يَغفُلُ ، تَجَهَّز فَقَد دَنا مِنكَ سَفَرٌ بَعيدٌ ، وداوِ ذَنبَكَ فَقَد دَخَلَهُ سُقمٌ شَديدٌ . ولا تَحسَب أنّي أرَدتُ تَوبيخَكَ وتَعنيفَكَ وتَعييرَكَ ، لكِنّي أرَدتُ أن يَنعَشَ اللّهُ ما [قَد] فاتَ مِن رَأيِكَ ويَرُدَّ إلَيكَ ما عَزَبَ مِن دينِكَ ، وذَكَرتُ قَولَ اللّهِ تَعالى في كِتابِهِ : «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» . [٤] أغفَلتَ ذِكرَ مَن مَضى مِن أسنانِكَ وأقرانِكَ ، وبَقيتَ بَعدَهُم كَقَرنٍ أعضَبَ . اُنظُر هَلِ ابتُلوا بِمِثلِ مَا ابتُليتَ ؟ أم هَل وَقَعوا في مِثلِ ما وَقَعتَ فيهِ ؟ أم هَل تَراهُم ذَكرتَ خَيرا أهمَلوهُ وعَلِمتَ شَيئا جَهِلوهُ ؟ بَل حَظيتَ بِما حَلَّ مِن حالِكَ في صُدورِ العامَّةِ وكَلَفِهِم[٥] بِكَ ، إذ صاروا يَقتَدونَ بِرَأيِكَ ويَعمَلونَ بِأَمرِكَ ؛ إن أحلَلتَ أحَلّوا وإن حَرَّمتَ حَرَّموا ، ولَيسَ ذلِكَ عِندَكَ ، ولكِن أظهَرَهُم عَلَيكَ رَغبَتُهُم فيما لَدَيكَ ، [ و ][٦] ذَهابُ عُلَمائِهِم ، وغَلَبَةُ الجَهلِ عَلَيكَ وعَلَيهِم ، وحُبُّ الرِّئاسَةِ وطَلَبُ الدُّنيا مِنكَ ومِنهُم . أما تَرى ما أنتَ فيهِ مِنَ الجَهلِ وَالغِرَّةِ ومَا النّاسُ فيهِ مِنَ البَلاءِ وَالفِتنَةِ ؟! قَدِ ابتَلَيتَهُم وفَتَنتَهُم بِالشُّغلِ عَن مَكاسِبِهِم مِمّا رَأَوا ، فَتاقَت نُفوسُهُم إلى أن يَبلُغوا مِنَ العِلمِ ما بَلَغتَ ، أو يُدرِكوا بِهِ مِثلَ الَّذي أدرَكتَ ، فَوَقَعوا مِنكَ في بَحرٍ لايُدرَكُ عُمقُهُ ، وفي بَلاءٍ لايُقدَرُ قَدرُهُ ، فَاللّهُ لَنا ولَكَ وهُوَ المُستَعانُ . أمّا بَعدُ ، فَأَعرِض عَن كُلِّ ما أنتَ فيهِ حَتّى تَلحَقَ بِالصّالِحينَ ، الّذينَ دُفِنوا في أسمالِهِم ، لاصِقَةً بُطونُهُم بِظُهورِهِم ، لَيسَ بَينَهُم وبَينَ اللّهِ حِجابٌ ، ولا تَفتِنُهُمُ الدُّنيا ولا يُفتَنونَ بِها ، رَغِبوا فَطَلَبوا فَما لَبِثوا أن لَحِقوا . فَإِذا كانَتِ الدُّنيا تَبلُغُ مِن مِثلِكَ هذَا المَبلَغَ ـ مَعَ كِبَرِ سِنِّكَ ورُسوخِ عِلمِكَ وحُضورِ أجَلِكَ ـ فَكَيفَ يَسلَمُ الحَدَثُ في سِنِّهِ ، الجاهِلُ في عِلمِهِ ، المَأفونُ في رَأيِهِ ، المَدخولُ في عَقلِهِ ؟! إنّا للّهِِ وإنّا إلَيهِ راجِعونَ . عَلى مَنِ المُعَوَّلُ ؟ وعِندَ مَنِ المُستَعتَبُ ؟ نَشكو إلَى اللّهِ بَثَّنا وما نَرى فيكَ ، ونَحتَسِبُ عِندَ اللّهِ مُصيبَتَنا بِكَ . فَانظُر كَيفَ شُكرُكَ لِمَن غَذّاكَ بِنِعَمِهِ صَغيرا وكَبيرا ؟ وكَيفَ إعظامُكَ لِمَن جَعَلَكَ بِدينِهِ فِي النّاسِ جَميلاً ؟ وكَيفَ صِيانَتُكَ لِكِسوَةِ مَن جَعَلَكَ بِكِسوَتِهِ فِي النّاسِ سَتيرا ؟ وكَيفَ قُربُكَ أو بُعدُكَ مِمَّن أمَرَكَ أن تَكونَ مِنهُ قَريبا ذَليلاً ؟ ما لَكَ لا تَنتَبِهُ مِن نَعسَتِكَ وتَستَقيلُ مِن عَثرَتِكَ ؟! فَتَقولَ : وَاللّهِ ما قُمتُ للّهِِ مَقاما واحِدا أحيَيتُ بِهِ لَهُ دينا أو أمَتُّ لَهُ فيهِ باطِلاً ، فَهذا شُكرُكَ مَنِ استَحمَلَكَ ( / استَعمَلَكَ) ! ما أخوَفَني أن تَكونَ كَمَن قالَ اللّهُ تَعالى في كِتابِهِ : «أَضَاعُواْ الصَّلَاةَ وَ اتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا» [٧] اِستَحمَلَكَ كِتابَهُ وَاستَودَعَكَ عِلمَهُ فَأَضَعتَها ، فَنَحمَدُ اللّهَ الَّذي عافانا مِمَّا ابتَلاكَ بِهِ ، وَالسَّلامُ .[٨]
[١] إبراهيم : ٧ . [٢] آل عمران : ١٨٧ . [٣] الأعراف : ١٦٩ . [٤] الذاريات : ٥٥ . [٥] كَلِف بالشيء كَلَفًا وكُلفةً فهو كلِف ومكلّف : لهج به ، كلِف بها أشدّ الكَلَف أي أحبّها . الكَلَف : الولوع بالشيء مع شغل قلب ومشقّة (لسان العرب : ج ٩ ص ٣٠٧ «كلف») . [٦] ما بين المعقوفين إضافة منّا يقتضيها السياق ، ولعلّها سقطت من النسّاخ . [٧] مريم : ٥٩ . [٨] تحف العقول : ص ٢٧٤ ، بحار الأنوار : ج ٧٨ ص ١٣٢ ح ٢ ؛ تاريخ دمشق : ج ٢٢ ص ٤١ نحوه .