دانشنامه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٨٠
٨٠٣.الإمام الحسين عليه السلام ـ فِي الأَمرِ بِالمَعروفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ ـ :اِعتَبِروا أيُّهَا النّاسُ بِما وَعَظَ اللّهُ بِهِ أولِياءَهُ مِن سوءِ ثَنائِهِ عَلَى الأَحبارِ إذ يَقولُ : «لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْاءِثْمَ» [١] وقالَ : «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْرَاءِيلَ ـ إلى قوله : ـ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ» [٢] . وإنَّما عابَ اللّهُ ذلِكَ عَلَيهِم لِأَنَّهُم كانوا يَرَونَ مِنَ الظَّلَمَةِ الَّذينَ بَينَ أظهُرِهِمُ المُنكَرَ وَالفَسادَ فَلا يَنهَونَهُم عَن ذلِكَ ؛ رَغبَةً فيما كانوا يَنالونَ مِنهُم ، ورَهبَةً مِمّا يَحذَرونَ ، وَاللّهُ يَقولُ : «فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ» [٣] . وقالَ : «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ» [٤] ، فَبَدَأَ اللّهُ بِالأَمرِ بِالمَعروفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ فَريضَةً مِنهُ ؛ لِعلمِهِ بِأَنَّها إذا اُدِّيَت واُقيمَتِ استَقامَتِ الفَرائِضُ كُلُّها هَيِّنُها وصَعبُها ، وذلِكَ أنَّ الأَمرَ بِالمَعروفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ دُعاءٌ إلَى الإِسلامِ ، مَعَ رَدِّ المَظالِمِ ومُخالَفَةِ الظّالِمِ وقِسمَةِ الفَيءِ وَالغَنائِمِ وأخذِ الصَّدَقاتِ مِن مَواضِعِها ووَضعِها في حَقِّها . ثُمَّ أنتُم أيَّتُهَا العِصابَةُ عِصابَةٌ بِالعِلمِ مَشهورَةٌ ، وبِالخَيرِ مَذكورَةٌ ، وبِالنَّصيحَةِ مَعروفَةٌ ، وبِاللّهِ في أنفُسِ النّاسِ مُهابَةٌ ، يَهابُكُمُ الشَّريفُ ، ويُكرِمُكُمُ الضَّعيفُ ، ويُؤثِرُكُم مَن لا فَضلَ لَكُم عَلَيهِ ولا يَدَ لَكُم عِندَهُ ، تَشفَعونَ فِي الحَوائِجِ إذَا امتَنَعَت مِن طُلّابِها ، وتَمشونَ فِي الطَّريقِ بِهَيبَةِ ( / بِهَيئَةِ) المُلوكِ وكَرامَةِ الأَكابِرِ ، ألَيسَ كُلُّ ذلِكَ إنَّما نِلتُموهُ بِما يُرجى عِندَكُم مِنَ القِيامِ بِحَقِّ اللّهِ وإن كُنتُم عَن أكثَرِ حَقِّه تُقَصِّرونَ ؟! فَاستَخفَفتُم بِحَقِّ الأَئِمَّةِ ، فَأَمّا حَقَّ الضُّعَفاءِ فَضَيَّعتُم ، وأمّا حَقَّكُم بِزَعمِكُم فَطَلَبتُم ، فَلا مالاً بَذَلُتموهُ ، ولا نَفسا خاطَرتُم بِها لِلَّذي خَلَقَها ، ولا عَشيرَةً عادَيتُموها في ذاتِ اللّهِ ، أنتُم تَتَمَنَّونَ عَلَى اللّهِ جَنَّتَهُ ومُجاوَرَةَ رُسُلِهِ وأمانا مِن عَذابِهِ . لَقَد خَشيتُ عَلَيكُم أيُّهَا المُتَمَنّونَ عَلَى اللّهِ أن تَحُلَّ بِكُم نَقِمَةٌ مِن نَقِماتِهِ ؛ لِأَنَّكُم بَلَغتُم مِن كَرامَةِ اللّهِ مَنزِلَةً فُضِّلتُم بِها ، ومَن يُعرَفُ بِاللّهِ لا تُكرِمونَ وأنتُم بِاللّهِ في عِبادِهِ تُكرَمونَ ، وقَد تَرَونَ عُهودَ اللّهِ مَنقوضَةً فَلا تَفزَعونَ ، وأنتُم لِبَعضِ ذِمَمِ آبائِكُم تَفزَعونَ، وذِمَّةُ رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه و آله مَحقورَةٌ ( / مَخفورَةٌ)، وَالعُميُ وَالبُكمُ وَالزَّمنى[٥] فِي المَدائِنِ مُهمَلَةٌ، لا تَرحَمونَ ، ولا في مَنزِلَتِكُم تَعمَلونَ ، ولا مَن عَمِلَ فيها تُعينونَ ، وبِالاِدِّهانِ وَالمُصانَعَةِ عِندَ الظَّلَمَةِ تَأمَنونَ ، كُلُّ ذلِكَ مِمّا أمَرَكُمُ اللّهُ بِهِ مِنَ النَّهيِ وَالتَّناهي وأنتُم عَنهُ غافِلونَ . وأنتُم أعظَمُ النّاسِ مُصيبَةً لِما غُلِبتُم عَلَيهِ مِن مَنازِلِ العُلَماءِ لَو كُنتُم تَشعُرونَ ( / تَعنونَ) . ذلِكَ بِأَنَّ مَجارِيَ الاُمورِ وَالأَحكامِ عَلى أيدِي العُلَماءِ بِاللّهِ الاُمَناءِ عَلى حَلالِهِ وحَرامِهِ ، فَأَنتُمُ المَسلوبونَ تِلكَ المَنزِلَةَ ، وما سُلِبتُم ذلِكَ إلّا بِتَفَرُّقِكُم عَنِ الحَقِّ وَاختِلافِكُم فِي السُّنَّةِ بَعدَ البَيِّنَةِ الواضِحَةِ . ولَو صَبَرتُم عَلَى الأَذى وتَحَمَّلتُمُ المَؤونَةَ في ذاتِ اللّهِ كانَت اُمورُ اللّهِ عَلَيكُم تَرِدُ وعَنكُم تَصدُرُ وإلَيكُم تَرجِعُ ، ولكِنَّكُم مَكَّنتُمُ الظَّلَمَةَ مِن مَنزِلَتِكُم ، وأسلَمتُم[٦] اُمورَ اللّهِ في أيديهِم ، يَعمَلونَ بِالشُّبُهاتِ ويَسيرونَ فِي الشَّهَواتِ ، سَلَّطَهُم عَلى ذلِكَ فِرارُكُم مِنَ المَوتِ وإعجابُكُم بِالحَياةِ الَّتي هِيَ مُفارِقَتُكُم ، فَأَسلَمتُمُ الضُّعَفاءَ في أيديهِم ، فَمِن بَينِ مُستَعبَدٍ مَقهورٍ وبَينَ مُستَضعَفٍ عَلى مَعيشَتِهِ مَغلوبٍ ، يَتَقَلَّبونَ فِي المُلكِ بِآرائِهِم ( / بآراءِكُم) ويَستَشعِرونَ الخِزيَ بِأَهوائِهِمُ ، اقتِداءً بِالأَشرارِ وجُرأَةً عَلَى الجَبّارِ . في كُلِّ بَلَدٍ مِنهُم عَلى مِنبَرِهِ خَطيبٌ يَصقَعُ ، فَالأَرضُ لَهُم شاغِرَةٌ ، وأيديهِم فيها مَبسوطَةٌ ، وَالنّاسُ لَهُم خَوَلٌ[٧] ، لا يَدفَعونَ يَدَ لامِسٍ ، فَمِن بَينِ جَبّارٍ عَنيدٍ وذي سَطوَةٍ عَلَى الضَّعَفَةِ شَديدٍ ، مُطاعٍ لا يَعرِفُ المُبدِئَ المُعيدَ . فَيا عَجَبا ! وما ليَ [لا] أعجَبُ وَالأَرضُ مِن غاشٍّ غَشومٍ ، ومُتَصَدِّقٍ ظَلومٍ ، وعامِلٍ عَلَى المُؤمِنينَ بِهِم غَيرِ رَحيمٍ ، فَاللّهُ الحاكِمُ فيما فيهِ تَنازَعنا ، وَالقاضي بِحُكمِهِ فيما شَجَرَ بَينَنا . اللّهُمَّ إنَّكَ تَعلَمُ أنَّهُ لَم يَكُن ما كانَ مِنّا تَنافُسا في سُلطانٍ ولَا الِتما��ا مِن فُضولِ الحُطامِ ، ولكِن لِنُرِيَ المَعالِمَ مِن دينِكَ ، ونُظهِرَ الإِصلاحَ في بِلادِكَ ، ويَأمَنَ المَظلومونَ مِن عِبادِكَ ، ويُعمَلَ بِفَرائِضِكَ وسُنَنِكَ وأحكامِكَ ، فَإِن لَم تَنصُرونا وتُنصِفونا قَوِيَ الظَّلَمَةُ عَلَيكُم وعَمِلوا في إطفاءِ نورِ نَبِيِّكُم . وحَسبُنَا اللّهُ ، وعَلَيهِ تَوَكَّلنا وإلَيهِ أنَبنا وإلَيهِ المَصيرُ .[٨]
[١] المائدة : ٦٣ . [٢] المائدة : ٧٨ و ٧٩ . [٣] المائدة : ٤٤ . [٤] التوبة : ٧١ . [٥] الزَّمنى: جمع زَمِن : جنس للبلايا التي يصابون بها ويدخلون فيها وهم لها كارهون (لسان العرب : ج ١٣ ص ١٩٩ «زمن»). [٦] في الطبعة المعتمدة «واستسلمتم» ، والصواب ما أثبتناه كما في طبعة النجف سنة ١٣٨٠ ه : ص ١٦٩ . [٧] الخَوَل : الخدم والحشم (المصباح المنير : ص ١٨٤ «خال») . [٨] تحف العقول : ص ٢٣٧ ، بحار الأنوار : ج ١٠٠ ص ٧٩ ح ٣٧ ؛ المعيار والموازنة : ص ٢٧٤ نحوه .