المحصول في علم الأُصول - الجلالي المازندراني، السيد محمود؛ تقریر بحث الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٦٣ - في إنّ الدلالة لا تتوقّف على فناء اللفظ في المعنى
فالحرف وحده لا معنى له أصلاً، إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء ليدلّ على أنّ في ذلك الشيء فائدة ما، فإذا أفرد عن ذلك الشيء بقي غير دالّ على معنى في شيء أصلاً. فظهر بهذا أنّ المعنى الإفرادي للاسم و الفعل في أنفسهما، و للحرف في غيره».[ ١ ]
أقول: إنّ بين التفسيرين بوناً شاسعاً إذ على التعريف الأوّل تكون الحروف ذات معان، متحقّقة في غيرها، و على الثاني لا تكون ذات معان أصلاً و إنّما تكون دالّة على خصوصية المعاني الاسمية الّتي تضمّنتها الألفاظ الأُخر، فكلّ من لفظي «من» و «إلى» يبيّن خصوصية السير المحدود من حيث المبدأ و المنتهى. كعلامات الإعراب من الرفع والنصب والجرّ، فكما أنّ الأُولى علامة للفاعلية والثانية علامة للمفعولية والثالثة علامة للمضاف إليه، من دون أن يكون لنفس الرفع و النصب و الجرّ معنى أصلاً، فكذلك الحروف حيث وضعت لمجرّد الإشارة إلى ما أُريد من مدخولها، فلفظ «من» يدلّ على أنّ البصرة لوحظت بما هي مبدأ السير و الكوفة لوحظت بما هي منتهاه فلتفهيم هذا المعنى لابدّ من علامة وهي الحروف.
وعلى هذا تكون الحروف، أشبه شيء بالعلائم المنصوبة في الطرق حيث تحكي عن حالات الطرق من حيث الاستقامة والانحناء، وغيرهما، والحال أنّها لا معنى لها أصلاً تفيده لو كانت في غير مواضعها المتعارفة.
أقول: إنّ هذه النظرية على طرف النقيض ممّا سيأتي من المحقّق الخراساني فلو فرّط الرضي في تفسير الحروف، فقد أفرط المحقّق الخراساني حيث جعلهما مترادفين وموضوعين لمعنى واحد كما سيوافيك.
يلاحظ على نظرية الرضي: أنّه إذا كان المقياس في تبيين المعاني، هو المتبادر، فانّ المتبادر من الحروف عند الاستعمال غير ما هو المتبادر من سماع الإعراب أو مشاهدتها، في آخر الكلام، فانّ الحروف يتبادر منها المعاني المخصوصة من نفس
[١] شرح الرضي لمقدّمة ابن الحاجب (الكافية): ص ٤.