بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٦٥ - المقام الأوّل في إمكان التعبّد بالظنّ في تفاصيل العقائد
حيث إنّ في الآية دلالة على أنّ ما أقامه اللَّه لهم من حجج برهانيّة يقينيّة ينبغي أن توجب الإذعان، ولكنّهم- لمرضهم- لم يحصل لديهم حالة الجزم المستحكم والإذعان الكامل، ومثلها قوله تعالى (ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ) [١].
فإنّها تفترض أنّ آيات اللَّه بيّنة توجب التصديق ولكنّهم بسبب إساءتهم لم يحصل لديهم الإذعان والتسليم المناسب لها.
وغالب إطلاق الكتاب الكريم وروايات المعارف لمفردة العلم و اليقين هو على المقدّمات اليقينيّة المنتجة بطبعها، لا على درجة الجزم، وكذلك جرى اصطلاح الفلاسفة والمتكلّمين والمناطقة على ذلك، وقد حرّرنا في علم الاصول أنّ الحجّية صفة ومحمول لتلك المقدّمات لا لدرجة الجزم.
وبعد اتّضاح هذه الأمور الثلاثة يتبيّن الحال في أدلّة المانعين من العمل بالظنّ:
أمّا الأوّل: فلما تقدّم من أنّ الجزم على درجات، وكذا الاعتقاد، وأنّ النجاة والإيمان يتحقّق بأدنى درجات الجزم، بعد فرض تسليم النفس وطوعانيّتها وحصول الإنقياد والمتابعة، غاية الأمر أنّ هناك وظيفة عقليّة وشرعيّة اخرى، وهي لزوم تحصيل المقدّمات اليقينيّة والبرهانيّة على المعارف والمعتقدات، وهي مغايرة لفريضة مطلق الإيمان، بل هي درجة خاصّة من الإيمان.
ثمّ إنّ هذه الوظيفة هي كما ذكره المانعون في ثاني أدلّتهم، مخصوصة باسس الاعتقاديّات، وأمّا تفاصيلها فليس من الواجب أصل الاعتقاد بها إذا لم يحصل العلم بها، فضلًا عن لزوم تحصيل اليقين فيها.
[١] الروم ٣٠: ١٠.