بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٤ - النقطة الاولى تأثير الجانب المادّي على الباحث
٢- إنّ القول باستمرار هذا الاتّصال بالسماء هو نوع من الإفراط في النزعة الباطنية وتضييع للطاقات المادّية والفكرية.
ومقتضى الاعتدال أن نعترف بانقطاعه بعد الرسول محمّد صلى الله عليه و آله و سلم فإنّه المنطقة الوسطى بين إفراط الباطنيّة وتفريط المادّية.
ونظير هذه الدعوى ما يتبنّاه بعض العِلمانيين أو المتغرِّبين- من أدعياء الثقافة في بلاد الشرق- أنّ مفاد ختم النبوّة وسرّ نهاية الوحي الإلهيّ هو تطوّر البشريّة ورُقيّ الفكر الإنساني إلى مرحلة (الإكتفاء الذاتي) والاستغناء عن هداية السماء من خلال العقل والمنطق والتجارب المدروسة والحقائق العلميّة. وبالتالي فلا حاجة إلى وجود نبيّ آخر أو رابطٍ يرفد الناس بالعلم والمعرفة، وليس لأنّ هذه الشريعة خالدة ما دام الإنسان، ذلك لأنّها تركت الكثير من مساحات الفراغ ولم تُجِب على أبسط المسائل العلميّة التجريبيّة.
هذا ما ذكرته هاتان المقولتان، وهما بجميع أشكالهما تتّفقان على الاستغناء عن هداية السماء، غير أنّ الأخيرة تملك التصوّر على صعيد التنظير والتطبيق، والأولى على صعيد التطبيق فحسب، وإن كانت هي الاخرى تستدعي التنظير أيضاً.
وهما وان استخدمتا بريق المعاني المبهمة والألفاظ الرنّانة، إلّاأنّهما واضحتا الوهن بيّنتا الخلل. فإنّ ابتعاد أكثر الناس عن السماء خلال قرون عديدة لم يثمر سوى ضياع الحقائق الدينيّة وتسافل القيم الخُلقية وانتشار الأوبئة الروحيّة وتضارب المصالح المادّية إلى أبعد الحدود، حتّى صار الإنسان- المادّي- وحشاً ضارياً لا يتورّع حتّى عن افتراس أخيه الإنسان- وهي حالة نادرة في الوحوش الكاسرة- بل القتل الجماعيّ للبشر لمجرّد شهوة أو نزوة أو حسد أو غضب،