بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٧٤ - الحسن والقبح العقليّان تمهيد في التعلّق والتجرّد
والإدراك العقليّ يكون مجرّداً عن المادّة في كلّ أصنافها، حتّى عن المقدار والإضافة.
والإدراك القلبيّ يكون مجرّداً أيضاً عن المادّة، بل يكون فوق الإدراك العقليّ، فإذا صقل الإنسان نفسه بمرتبة عالية فإنّه يتوجّه بقلبه إلى ما فوق عالم العقل ليدرك بالشهود والرؤية القلبيّة، وهذا الإدراك القلبيّ نفسه ذو مراتب ثلاثة متفاوتة بحسب آثارها، ممّا يدلّ على تعدّد درجاتها الوجودية [١]، وبهذا تكون الدرجات الإدراكيّة سبعة، وهي في الحقيقة درجات وجوديّة في الإنسان.
والإنسان في أغلب حالاته يتعاطى بالإدراكات الحسّيّة، غايته أنّه يدبّرها بالمعاني الوهميّة، أي بالإدراك الوهميّ [٢].
فإذا توجّه الإنسان إلى المدركات الخياليّة، كان في درجة أرقى من الحسّ وإذا بحث في المدركات الوهميّة، صعد إلى مرتبة أرقى، وهكذا، وإذا انخفض إلى المدركات الحسّية أو نزل عن مرتبته التي هو فيها، كان في درجة أدنى ممّا كان عليه، ولذا قالوا: إنّ للإنسان تجرّداً وتعلّقاً، وكلّما ازداد صقالةً وابتعاداً عن المادّة كان أكثر تجرّداً وصعوداً، وكلّما ارتبط بالمادّة أو مارس المادّيّات، كان أكثر تعلّقاً وهبوطاً.
وإنّما ذكرنا هذه الخصوصيّة لأنّها تنفع في معرفة درجات النفس، وبالتالي معرفة جانب من جوانب أكمل المراتب الإنسانيّة وهي مرتبة المعصوم عليه السلام، كما أنّ هذه المراتب تنفع في بحث النبوّة والمعاد أيضاً، فلاحظ.
[١] وسيأتي مزيد توضيح لهذه المراتب وشيء من الاستدلال عليها، وإن شئت المزيد فراجعالكتب المخصّصة لذلك.
[٢] وليس المراد به الاصطلاح الآخر للوهم الذي يقابل الظنّ.