بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٧ - النقطة الاولى تأثير الجانب المادّي على الباحث
ويتّضح من خلال هذه الآيات وجود التفاوت في بني البشر، وأنّ بعضهم يتأهّل للعهد الإلهيّ وبعضهم لا يتأهّل، وأنّ العارف بهذا التفاوت هو اللَّه عزّ وجلّ أو من يعلِّمُه اللَّه لا غير، لأنّه الخالق للبشر، والخالق أعرف بما خلق (أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [١].
كما أنّ دعوى هؤلاء استحقاقهم وقابليّتهم لتعيين السفير الإلهيّ، هي شرك باللَّه تعالى [٢] باعتبار أنفسهم نِدّاً له في الإحاطة والعلم والمشيئة، مع أنّه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [٣] في أيّ وصفٍ من صفاته، ولذلك كان نصب الواسطة بينه تعالى وبين خلقه من خواصّ أفعاله التي لا يشاركه فيها أحد، فإذا نصبوا شخصاً من عند أنفسهم كان شِركاً به وتعدّياً على حقّه عزّ وجلّ. وسيأتي مزيد توضيح لهذه الحقيقة في مقدّمة لاحقة إن شاء اللَّه تعالى.
ونظير هذا المنطق ما قصّه تعالى في الآية (وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) [٤] حيث طالبوا بإنزال ملك واسطة بينهم وبين السماء، واستبعدوا تأهّل الرسول لذلك، قياساً له على أنفسهم وحصراً للقابلية والأهلية بالملائكة.
فأجابهم تعالى: (وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ) [٥] بمعنى أنّ صاحب الحقيقة المَلَكية وإن كان قابلًا للاتّصال بالغيب وللوساطة بين اللَّه تعالى وخلقه، ولكنّه لابدّ أن يكون في الصورة من جنسهم كي يتمّ الارتباط
[١] الملك ٦٧: ١٤.
[٢] بناء على ما حقّق في محلّه- من علم الكلام والتفسير- أنّ للشرك مراتب من أشدّها ما يخرجعن الإسلام كشرك الوثنيّة، ومنها ما لا يخرج عن الإسلام كالرياء.
[٣] الشورى ٤٢: ١١.
[٤] الأنعام ٦: ٨.
[٥] الأنعام ٦: ٩.