بحوث قراءة النص الديني - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٢٠ - المسألة الثانية نظرية إنكار خلود الكتاب العزيز
وهذه البديهة تثبت أمرين:
١- وجود حقيقة واقعيّة يحاول البشر الوصول إليها في كلّ المجالات حتّى القانون الوضعيّ، إذ لا يعقل السعي نحو اللاموجود والبحث عن اللاشيء.
٢- عدم إحاطة البشر بتمام أطراف تلك الحقيقة والواقعيّة في أيّ مجال من مجالات التطوّر، لأنّه لو حصلت الإحاطة التامّة بالحقيقة لما احتيج إلى السعي ولتوقّف البحث العلميّ، وهو خلاف الفطرة والوجدان.
وبهذا نستنتج أنّ البشريّة بعقلها المحدود الساعي حثيثاً إلى التكامل، لا يصل في يومٍ ما إلى الإحاطة بسعة الحقيقة تماماً حتّى في مجال القانون الوضعيّ، ولذلك نجد القوانين- غير الإلهيّة- هي دائماً في تغيّر وتبديل إلّاما طابق السنن والشرائع الإلهيّة.
ومن ثَمّ تظهر الحاجة المُلحّة إلى عناية الباري ولطف ربّ الخليقة المحيط بحقيقتها وواقعيّتها بما لها من السعة في الأفراد والإمتداد في الزمان لكي يرشد البشريّة إلى تلك الحقيقة ويهديها إلى تلك الواقعيّة، ومن الإرشاد التشريع السماويّ الكاشف عن الحقائق، وبهذا يثبت الاحتياج الدائم إلى الشرع المقدّس وعدم استغناء العقول عنه مهما تطوّرت وتكاملت، فإنّ سعيها دليل حاجتها لبارئها سبحانه وتعالى.
الرابع: إنّ هذا الإشكال لو تمّ لورد على الأحكام العقليّة كحسن العدل والإنصاف، وقبح الظلم والإجحاف، وحسن الإحسان والرأفة، وقبح الإيذاء والقسوة، وسائر أحكام العقل العمليّ، وكذلك أحكام العقل النظريّ مثل امتناع التناقض، وأنّ الكلّ أكبر من الجزء، مع أنّ كلّ فطرة بشريّة ترى أنّ هذه الأحكام ثابتة دائمة ومحيطة بكلّ الأفراد في كلّ الظروف والتغيّرات.