رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٢١٨ - فصل رسالة إلى سلطان تونس
من جناه [١] المهتصر ، [٢] بالمقتضب المختصر ، ولا لنقابل طول طوله [٣] بالقصر ، لولا طروّ الحصر. [٤]
وقد كان بين الأسلاف ـ رحمة الله عليهم ورضوانه ـ ودّ أبرمت من أجل الله معاقده ، [٥] ووثرت للخلوص ، [٦] الجليّ النصوص ، مضاجعه القارّة ومراقده ، وتعاهد بالجميل يوجع لفقده فاقده ، أبى الله إلا أن يكون لكم الفضل في تجديده ، والعطف بتوكيده ، فنحن الآن لا ندري أيّ مكارمكم نذكر ، أو أيّ فواضلكم نشرح أو نشكر ، أمفاتحتكم التي هي في الحقيقة عندنا فتح ، أم هديتكم ، وفي وصفها للأقلام سبح ، [٧] ولعدوّ الإسلام بحكمة حكمتها كبح ، [٨] إنّما نكل الشّكر لمن يوفّي جزاء الأعمال البرّة ، ولا يبخس مثقال الذّرّة ولا أدنى من مثقال الذّرّة ، ذي الرحمة الثّرّة ، [٩] والألطاف المتّصلة المستمرّة ، لا إله إلا هو.
وإن تشوّفتم إلى الأحوال الراهنة ، وأسباب الكفر الواهية ـ بقدرة الله ـ الواهنة ، [١٠] فنحن نطرفكم بطرفها ، [١١] ونطلعكم على سبيل الإجمال بطرفها ، وهو أننا لما أعادنا من التّمحيص ، إلى مثابة التّخصيص ، من بعد المرام العويص ، كحلنا بتوفيق الله بصر البصيرة ، ووقفنا على سبيله مساعي الحياة القصيرة ، ورأينا
[١] الجنى : ما يجتنى من الشجر وغيره.
[٢] المهتصر : الممال ؛ يقال هصرت الغصن : إذا أملته إليك.
[٣] الطول (بالضم) : خلاف العرض. والطّول (بالفتح) : النعمة والفضل.
[٤] الحصر : العىّ ، وعدم القدرة على الإبانة.
[٥] المعاقد : مواضع العقد.
[٦] وثر الفراش (بالضم) : وطؤ ولان.
[٧] السبح : الجرى.
[٨] كبح الفرس : جذبه إليه باللجام يمنعه عن الجري.
[٩] الرحمة الثرة : الغزيرة الكثيرة.
[١٠] وهي ، ووهن : ضعف.
[١١] جمع طرفة (بالضم) ؛ وهي أن يعطي المرء ما لم يملكه فيعجبه.