رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٢٦٩ - الفيئة إلى السلطان أبي العباس بتونس والمقام بها
ذلك ، وقد كلّفني بالإكباب على تأليف هذا الكتاب لتشوّفه إلى المعارف والأخبار ، واقتناء الفضائل ، فأكملت منه أخبار البربر ، وزناته. وكتبت من أخبار الدّولتين وما قبل الإسلام ما وصل إليّ منها ، وأكملت منه نسخة رفعتها إلى خزانته ، وكان ممّا يغرون به السّلطان عليّ ، قعودي عن امتداحه ، فإنّي كنت قد أهملت الشّعر وانتحاله جملة ، وتفرّغت للعلم فقط ، [١] فكانوا يقولون له إنّما ترك ذلك استهانة بسلطانك ، لكثرة امتداحه للملوك قبلك ، وتنسّمت ذلك عنهم من جهة بعض الصّديق من بطانتهم ، فلمّا رفعت له الكتاب ، وتوّجته باسمه ، أنشدته ذلك اليوم ، هذه القصيدة أمتدحه ، وأذكر سيره وفتوحاته ، وأعتذر عن انتحال الشّعر ، وأستعطفه بهدية الكتاب إليه ، وهي هذه :
| هل غير بابك للغريب مؤمّل | أو عن جنابك للأماني معدل | |
| هي همة بعثت إليك على النّوى | عزما كما شحذ الحسام الصّيقل [٢] | |
| متبوّأ الدّنيا ومنتجع المنى | والغيث حيث العارض المتهلّل | |
| حيث القصور الزّاهرات منيفة | تعنى بها زهر النجوم وتحفل | |
| حيث الخيام البيض يرفع للعلا | والمكرمات طرافها [٣] المتهدّل |
[١] استعمل ابن خلدون «قط» في الإثبات ، وهو استعمال جائز ، وردت به أحاديث صحيحة. وانظر تاج العروس «قط» ، شرح درة الغواص ص ٢٩ ـ ٣١.
[٢] الصيقل (كحيدر) : شحاذ السيوف ، وجلّاؤها.
[٣] الطراف : بيت من أدم ؛ والطراف من الخباء : ما رفعت من نواحيه لتنظر إلى خارج.