رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٣٩١ - سفر السلطان إلى الشام لمدافعة الططر عن بلاده
ملوك فارس في خراسان ، [١] وما وراء النّهر ، [٢] وكانت بينهم حروب مشهورة ، واستقرّ ملكهم في بني أفراسياب ، ثم ظهر خاتم الأنبياء محمد صلوات الله عليه ، وجمع العرب على كلمة الإسلام ، فاجتمعوا له ، «لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بينهم [٣] ، وقبضه الله إليه ، وقد أمر بالجهاد ، ووعد عن الله بأن الأرض لأمته ، فزحفوا إلى كسرى ، وقيصر بعد سنتين من وفاته ، فانتزعوا الملك من أيديهما ، وتجاوزوا الفرس إلى التّرك ، والرّوم إلى البربر والمغرب ، وأصبح العالم كلّه منتظما في دعوة الإسلام. ثم اختلف أهل الدّين من بعده في رجوعهم إلى من ينظم أمرهم ، وتشيّع قوم من العرب فزعموا أنه أوصى بذلك لابن عمّه عليّ ، وامتنع الجماعة من قبول ذلك ، وأبوا إلّا الاجتهاد في تعيينه ، فمضى على ذلك السّلف في دولة بني أميّة التي استفحل الملك والإسلام فيها ، وتناقل التشيّع بتشعّب المذاهب ، في استحقاق بني عليّ ، وأيّهم يتعيّن له ذلك ، حتى انساق مذهب من مذاهبهم إلى محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس ، [٤] فظهرت شيعته بخراسان ، وملكوا تلك الأرض كلّها ، والعراق بأسره. ثم غلبوا على بني أميّة ، وانتزعوا الملك من أيديهم ، واستفحل ملكهم ، والإسلام باستفحاله ، وتعدّد خلفاؤهم.
ثمّ خامر الدّولة ما يخامر الدّول من التّرف والراحة ، ففشلوا. وكثر المنازعون لهم من بني عليّ وغيرهم ، فظهرت دولة لبني جعفر الصّادق بالمغرب ، وهم
[١] تطلق خراسان Khorassan اليوم على القسم الشرقي لإيران ، الذي يتصل بأفغانستان. وقد فتحت خراسان سنة ٣١ هجرية في أيام عثمان رضياللهعنه. وانظر ياقوت ٣ / ٤٠٧.
[٢] ما وراء النهرTransoxiane : إقليم مشهور يقع فيما وراء نهر جيحون ، وهو المراد «بالنهر». وانظر ياقوت ٧ / ٠٧٣ ـ ٣٧٣.
[٣] الآية ٦٣ من سورة الأنفال.
[٤] كان ذلك في سنة ١٢٩ ه ، وانظر تفصيل القول في تاريخ الطبري ٩ / ٨٢ وما بعدها ، تاريخ أبي الفداء ١ / ٢٢٠ وما بعدها.