رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٣٢٦ - ولاية الدروس والخوانق
قدرتهم بالامتناع ، فكأنّ العبقريّ ، [١] يفري الفريّ ، [٢] أو العفاريت ، [٣] قدمت من أماريت. [٤] وكأنّما حشرت الجنّ والشّياطين ، أو نشرت القهارمة [٥] من الحكماء الأول والأساطين ، جابوا لها الصّخر بالأذواد [٦] لا بالواد ، واستنزلوا صمّ الأطواد على مطايا الأعواد ، ورفعوا سمكها إلى أقصى الآماد ، على بعيد المهوى من العماد. وغشّوها من الوشي الأزهر ، المضاعف الصّدف والمرمر ، ومائع الّلجين الأبيض والذّهب الأحمر ، بكلّ مسهّم الحواشي حالي الأبراد ، وقدّروه مساجد للصّلوات والأذكار ، ومقاعد للسّبحات [٧] بالعشيّ والإبكار ، ومجالس للتّلاوة والاستغفار ، في الآصال والأسحار ، وزوايا للتّخلّي عن ملاحظة الأسماع والأبصار ، والتّعرّض للفتوح الرّبّانية والأنوار ، ومدارس لقدح زناد الأفكار ، ونتاج المعارف الأبكار ، وصوغ الّلجين والنّضار ، في محكّ القرائح والأبصار. تتفجّر ينابيع الحكمة في رياضه وبستانه ، وتتفتّح أبواب الجنّة من غرفه وإيوانه ، وتقتاد غرّ السّوابق ، من العلوم والحقائق ، في طلق [٨] ميدانه ، ويصعد الكلم الطّيّب والعمل الصّالح إلى الله من نواحي أركانه ، وتوفّر الأجور لغاشيته محتسبة عند الله في ديوانه ، راجحة
[١] العبقري نسبة إلى «عبقر» ، وهي قربة تسكنها الجن فيما زعموا. ويقولون إذا تعجبوا من جودة شيء أو غرابته ، أو دقة صنعه : هو عبقري ، ثم توسعوا فسموا الرجل ، والسيد ، والكبير ـ عبقريا.
وانظر اللسان.
[٢] يقال هو يفري الفرىّ : إذا عمل عملا فأجاده.
[٣] العفريت من الإنسان : النافذ في الأمر ، والقوىّ المتشيطن ، ويقال عفريت نفريت على سبيل الاتباع.
[٤] أماريت : جمع الجمع لمرت ؛ وهي المفازة والقفر لا نبات فيه.
[٥] القهارمة : جمع قهرمان ، وهو الآمر ، صاحب الحكم. وانظر «الألفاظ الفارسية» ص ١٣٠ ، لسان العرب.
[٦] الأذواد جمع ذود ؛ وهو الجماعة من الإبل. وفي تحديد عددها خلاف مذكور في كتب اللغة.
[٧] جمع سبحة ؛ وهي التطوع في الدعاء والصلاة.
[٨] الطلق : الشوط الواحد في جري الخيل ، والغاية التي يجري إليها الفرس في السباق.