رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٢١٧ - فصل رسالة إلى سلطان تونس
نيل نيلك ، [١] أو قلنا هي التي أشار إليها مستصرخ سلفك المستنصر [٢] بقوله : أدرك بخيلك ، [٣] حين شرق بدمعه الشّرق ، [٤] وانهزم الجمع واستولى الفرق ، واتسع فيه ـ والحكم لله ـ الخرق [٥] ورأى إن مقام التوحيد بالمظاهرة على التّثليث ، وحزبه الخبيث ، الأولى والأحقّ.
والآن قد أغنى الله بتلك النّية ، عن اتّخاذ الطّوال الردينيّة ، [٦] وبالدّعاء من تلك المثابة الدينية إلى ربّ البنيّة ، [٧] عن الأمداد السّنيّة والأجواد تخوض بحر الماء إلى بحر المنية ، وعن الجرد العربية ، في مقاود الليوث الأبيّة ، وجدّد برسم هذه الهديّة ، مراسيم العهود الودّية ، والذمم الموحّدية ، لتكون علامة على الأصل ، ومكذّبة لدعوى الوقف والفصل ، وإشعارا بالألفة التي لا تزال ألفها ألف الوصل ، ولأمها حراما على النّصل. [٨]
وحضر بين يدينا رسولكم ، فقرّر من فضلكم ما لا ينكره من عرف علوّ مقداركم ، وأصالة داركم ، وفلك إبداركم ، وقطب مداركم ، وأجبناه عنه بجهد [٩] ما كنّا لنقنع
[١] النيل : نهر مصر حماها الله. والنيل (بالفتح) : العطاء.
[٢] هو أبو بكر يحيى بن عبد الواحد الحفصي. وانظر الحاشية رقم (٢) ص ٩.
[٣] يشير إلى قصيدة ابن الأبار التي مطلعها : «أدرك بخيلك خيل الله أندلسا». وانظر ص ٩.
[٤] يريد شرق الأندلس.
[٥] يشير إلى المثل : «اتسع الخرق على الراقع» الذي يقال عند استفحال الأمر ، والعجز عن إصلاحه.
تاج (خرق).
[٦] الردينية : منسوبة إلى ردينة ، وهي امرأة السمهري ؛ وكانا يقومان الرماح والقنا بخط هجر ؛ فيقال : الرماح الردينية ، والخطية ؛ نسبة إلى الشخص تارة ، وإلى الموضع أخرى.
[٧] البنية : الكعبة ، وكانت تسمى بنية إبراهيم ؛ وكثر قسمهم بها فيقولون : «لا ورب هذه البنية».
[٨] اللام : جمع لأمة ؛ وهي الدرع. والنصل : حديدة السهم والرمح. وانظر اللسان (نصل).
[٩] الجهد (بالفتح) : المشقة.