رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٢١٦ - فصل رسالة إلى سلطان تونس
ما سمع على ما رأى غبيّ ، فلو أنصفت محاسنها التي وصفت ، لأقضمت [١] حبّ القلوب علفا ، وأوردت ماء الشبيبة نطفا ، [٢] واتخذت لها من عذر [٣] الخدود الملاح عذر موشية ، [٤] وعلّلت بصفير ألحان القيان كلّ عشية ، وأنعلت بالأهلّة ، وغطيت بالرياض بدل الأجلّة. [٥]
إلى الرقيق ، [٦] الخليق بالحسن الحقيق ، يسوقه إلى مثوى الرّعاية روقة [٧] الفتيان رعاته ، ويهدي عقيقها من سبجه [٨] أشكالا تشهد للمخترع سبحانه بإحكام مخترعاته ، وقفت ناظر الاستحسان لا يريم ، [٩] لما بهره منظرها الوسيم ، وتخامل الظّليم ، [١٠] وتضاؤل الريم [١١] وأخرس مفوّه [١٢] اللسان ، وهو بملكات البيان ، الحفيظ العليم ، وناب لسان الحال ، عن لسان المقال ، عند الاعتقال ، [١٣] فقال يخاطب المقام الذي أطلعت أزهارها غمائم جوده ، واقتضت اختيارها بركات وجوده : لو علمنا أيها الملك الأصيل ، الذي كرم منه الإجمال والتفصيل ، أن الثّناء يوازيها ، لكلنا لك بكيلك ، أو الشّكر يعادلها ويجازيها ، لتعرّضنا بالوشل [١٤] إلى
[١] القضم : أكل القضيم ، وهو شعير الدابة ، وأقضم الدابة : قدم لها القضيم.
[٢] النطفة : الماء الصافي ؛ والجمع نطف.
[٣] العذار : خط لحية الغلام ؛ والجمع عذر.
[٤] العذار من اللجام : السيران اللذان يجتمعان عند قفا الفرس ؛ والجمع عذر.
[٥] جل الدابة : ما تغطى به ، والجمع جلال ؛ وجمع جلال : أجلّة.
[٦] الرقيق : الضعف لا صبر له على شدة البرد ، ونحوه.
[٧] الروقة من الغلمان : الملاح منهم ؛ يقال غلمان روقة : أي حسان ، والمفرد رائق.
[٨] السبج : خرز أسود.
[٩] لا يريم : لا يبرح.
[١٠] الظليم : ذكر النعام ؛ وفرس فضالة بن شريك الأسدي.
[١١] الريم : الظبي الخالص البياض.
[١٢] رجل مفوّه : يجيد القول.
[١٣] اعتقل لسانه : حبس ، ولم يقدر على الكلام.
[١٤] الوشل : الماء القليل.