رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٣٢١ - ولاية الدروس والخوانق
ثم فرغ السّلطان من اختطاط مدرسته [١] بين القصرين ، وجعل فيها مدافن أهله ، وعيّن لي فيها تدريس المالكية ، فأنشأت خطبة أقوم بها في يوم مفتتح التّدريس على عادتهم في ذلك ونصّها :
الحمد لله الذي منّ على عباده ، بنعمة خلقه وإيجاده ، وصرّفهم في أطوار استعباده بين قدره ومراده ، وعرّفهم أسرار توحيده ، في مظاهر وجوده ، وآثار لطفه في وقائع عباده ، وعرضهم على أمانة التّكاليف ليبلوهم بصادق وعده وإبعاده ، [٢] ويسّر كلا لما خلق له ، من هدايته أو إضلاله ، وغيّه أو رشاده ، واستخلف الإنسان في الأرض بعد أن هداه النجدين [٣] لصلاحه أو فساده ، وعلّمه ما لم يكن يعلم ، من مدارك سمعه وبصره والبيان عمّا في فؤاده ، وجعل منهم أنبياء وملوكا يجاهدون في الله حقّ جهاده ، ويثابرون على مرضاته في اعتمال العدل واعتماده ، ورفع البيوت المقدّسة بسبحات [٤] الذكر وأوراده.
والصّلاة والسّلام على سيّدنا ومولانا محمّد سيّد البشر من نسل آدم وأولاده ، لا. بل سيّد الثّقلين [٥] في العالم من إنسه وجنّه وأرواحه وأجساده ، لا. بل سيّد الملائكة والنّبيئين ، الذي ختم الله كمالهم بكماله وآمادهم بآماده ، الذي شرّف به الأكوان فأضاءت أرجاء العالم لنور ولاده ، وفصّل له الذكر الحكيم تفصيلا ، كذلك ليثبت من فؤاده [٦] وألقى على قلبه الروح الأمين بتنزيل رب العالمين ، ليكون من
[١] هي المدرسة الظاهرية ، وتسمى البرقوقية أيضا. عهد في بنائها إلى الأمير جهركس الخليلي ، فشرع في بنائها سنة ٨٨٦ ، وأنهاها سنة ٨٨٨. وانظر حسن المحاضرة ٢ / ١٦٣ طبع الموسوعات بمصر سنة ١٣٢١ ه.
[٢] ينظر إلى الآية ٧٢ من سورة الأحزاب : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ ، وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها ، وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ).
[٣] النجدان : طريق الخير ، وطريق الشر.
[٤] السبحات جمع سبحة ؛ وهي التطوع في الذكر ، والصلاة.
[٥] الثقلان : الجن والإنس.
[٦] يشير إلى الآية ٣٢ من سورة الفرقان : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ، كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ).