رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٣٢٩ - ولاية الدروس والخوانق
قوسين [١] إذ بات للملائكة والرّسل إماما ، وعلى آله وأصحابه الذين كانوا ركنا لدعوته وسناما [٢] وحربا على عدوّه وسماما ، [٣] وصلوا في مظاهرته جدّا واعتزاما ، وقطعوا في ذات الله وابتغاء مرضاته أنسابا وأرحاما ، حتى ملأوا الأرض إيمانا وإسلاما ، وأوسعوا الجاحد والمعاند تبكيتا [٤] وإرغاما [٥] فأصبح ثغر الدّين بسّاما ووجه الكفر والباطل عبوسا جهاما. [٦] صلّى الله عليه وعليهم ما عاقب ضياء ظلاما ، صلاة ترجّح القبول ميزانا ، وتبوّئ عند الله مقاما.
والرضى عن الأئمة الأربعة ، الهداة المتّبعة ، مصابيح الأمان ومفاتيح السّنّة الذين أحسنوا بالعلم قياما وكانوا للمتّقين إماما.
أما بعد فإنّ الله سبحانه تكفّل لهذا الدّين بالعلاء والظّهور ، والعزّ الخالد على الظّهور ، [٧] وانفساح خطّته في آفاق المعمور ، فلم يزل دولة عظيمة الآثار ، غزيرة الأنصار ، بعيدة الصّيت عالية المقدار ، جامعة ـ بمحاسن آدابه وعزّة جنابه ـ معاني الفخار ، منفّقة بضائع علومه في الأقطار ، مفجّرة ينابيعها كالبحار ، مطلعة كواكبها المنيرة في الآفاق أضوأ من النهار ، ولا كالدّولة التي استأثرت بقبلة الإسلام ومنابره ، وفاخرت بحرمات الله وشعائره واعتمدت بركة الإيمان ويمن طائره ، في تمهيد قواعده وتأييد ناصره ، وظفرت ـ في خدمة الحرمين الشّريفين بالمتين من أسباب الدّين وأواصره ، واعتملت في إقامة رسوم العلم ليكون من مفاخره ، وشاهدا بالكمال لأوّله وآخره.
وإن مولانا السّلطان الملك الظّاهر ، العزيز القاهر ، شرف الأوائل والأواخر ، ورافع
[١] قاب قوسين : قدر قوسين ، أو طول : قوسين.
[٢] السنام : المرتفع من الرمل ، والجبل ؛ والمراد أنه ملجأ.
[٣] السمام : جمع سم ؛ وفي حديث عن علي رضياللهعنه : «الدنيا غذواءها سمام».
[٤] التبكيت : التقريع والتعنيف.
[٥] الإرغام : الإكراه والإهانة.
[٦] الجهام : السّحاب لا ماء فيه ، ويريد : كريها لا خير فيه.
[٧] كذا في الأصلين ، ولعلها : «الدهور».