رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٣٢٧ - ولاية الدروس والخوانق
في ميزانه.
ثم أختار لها من أئمة المذاهب الأربعة أعيانا ، ومن شيوخ الحقائق الصّوفية فرسانا ، تصفّح لهم أهل مملكته إنسانا إنسانا ، وأشاد بقدرهم عناية وإحسانا ، ودفعهم إلى وظائفه توسّعا في مذاهب الخير وافتنانا ، وعهد إليهم برياضة المريدين ، وإفادة المستفيدين ، احتسابا لله وقربانا ، وتقيّلا [١] لمذاهب الملوك من قومه وإستنانا ، ثمّ نظمني معهم تطوّلا وامتنانا ، ونعمة عظمت موقعا وجلّت شانا ، وأنا وإن كنت لقصور البضاعة ، متأخرا عن الجماعة ، ولقعود الهمّة ، عيالا على هؤلاء الأئمة ، فسمحهم [٢] يغطّي ويلحف ، وبمواهب العفو والتّجاوز يمنح ويتحف. وإنما هي رحمة من مولانا السّلطان ـ أيّده الله ـ خصّت كما عمّت ، ووسمت إغفال النّكرة والإهمال وسمّت ، وكملت بها مواهب عطفه وجبره وتمّت ، وقد ينتظم الدرّ مع المرجان ، وتلتبس العصائب بالتّيجان ، وتراض المسوّمة [٣] العراب [٤] على مسابقة الهجان [٥] ؛ والكلّ في نظر مولانا السّلطان وتصريفه ، والأهلية بتأهيله والمعرفة بتعريفه ، وقوام الحياة والآمال بلطائف إحسانه وصنوفه ، والله يوزعنا شكر معروفه ، ويوفّقنا للوفاء بشرطه في هذا الوقف وتكليفه ، ويحمي حماه من غير الدّهر وصروفه ، ويفيء على ممالك الإسلام ظلال أعلامه ورماحه وسيوفه ، ويريه قرّة العين في نفسه وبنيه ، وحاشيته وذويه ، وخاصّته ولفيفه ، بمنّ الله وفضله.
ثم تعاون العداة عند أمير الماخورية ، القائم للسّلطان بأمور مدرسته ، وأغروه بصدّي عنها ، وقطع أسبابي من ولايتها ، ولم يمكن السّلطان إلّا إسعافه فأعرضت عن
[١] الكلمة في الأصلين غير معجمة ، فتحتمل «تقيلا» ، ومعناها حينذاك : تشبها ، من تقيل أباه : أشبهه ، وعمل عمله ؛ وتحتمل «تقبلا». ويكون المعنى : فعل ذلك ارتضاء لمذاهب الملوك قبله ، وذهابا على سننهم.
[٢] كذا في الأصلين ، ولعله يريد «فسماحهم».
[٣] المسومة من الخيل : المرعية ، والمعلمة.
[٤] العراب من الإبل ، والخيل : التي ليس فيها عرق هجين.
[٥] الهجان : جمع هجين ؛ وهو الفرس الذي ليس بعتيق.