رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٢١٩ - فصل رسالة إلى سلطان تونس
كما نقل إلينا ، وكرّر على من قبلنا وعلينا ـ أن الدنيا ـ وإن غرّ الغرور [١] وأنام على سرر الغفلة السّرور ، فلم ينفع الخطور [٢] على أجداث [٣] الأحباب والمرور جسر يعبر ، ومتاع لا يغبط من حبي به ولا يحبر ، [٤] إنّما هو خبر يخبر ، وأن الحسرة بمقدار ما على تركه يجبر ، وأن الأعمار أحلام ، وأن الناس نيام ، وربّما رحل الراحل عن الخان ، [٥] وقد جلّله بالأذى والدخان ، أو ترك به طيبا ، وثناء يقوم بعد للآتي خطيبا ، فجعلنا العدل في الأمور ملاكا ، [٦] والتفقّد للثغور مسواكا ، وضجيع المهاد ، حديث الجهاد ، وأحكامه مناط الاجتهاد ، وقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ)[٧] من حجج الاستشهاد ، وبادرنا رمق [٨] الحصون المضاعة وجنح [٩] التّقية [١٠] دامس ، [١١] وعواريها [١٢] لا تردّ يد لامس ، [١٣] وساكنها بائس ، والأعصم [١٤] في شعفاتها [١٥] من العصمة يائس ، فزيّنّا ببيض الشرفات ثناياها ،
[١] الغرور (بالفتح) : الشيطان ؛ وفي القرآن : (وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ).
[٢] الخطور : التبختر في المشي.
[٣] جمع جدث : وهو القبر.
[٤] يحبر : ينعم ويسر ويكرم.
[٥] الخان : المكان الذي ينزله الناس في المدن ، والطرق ، وهو الفندق. وانظر المعرّب ص ٢٣٩.
[٦] ملاك الأمر : ما يقوم به ذلك الأمر.
[٧] يشير إلى الآيات (١٠ ـ ١٣) من سورة الصف.
[٨] الرمق : بقية الحياة والروح. وفي الكلام تجوّز.
[٩] جنح الطريق : جانبه ، وجنح القوم : ناحيتهم.
[١٠] التقية : الحفظ.
[١١] ليل دامس : مظلم.
[١٢] جمع عارية ؛ وهي المتجردة من الثياب. والعورات : الخلل في الثغر وغيره ، يتخوف منه في الحروب.
[١٣] يقال للمرأة تزنّ بالفجور : لا ترد يد لامس ؛ أي لا ترد من يريدها عن نفسها.
[١٤] الأعصم : الوعل ، وعصمته : بياض في رجله.
[١٥] الشعفات ، جمع شعفة ؛ وهي رؤس الجبال.