رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ٢٢٠ - فصل رسالة إلى سلطان تونس
وأفعمنا بالعذب الفرات ركاياها وغشّينا بالصفيح المضاعف أبوابها ، واحتسبنا عند موفّي الأجور ثوابها ، وبيّضنا بناصع الكلس [١] أثوابها ، فهي اليوم توهم حس العيان ، أنّها قطع من بيض العنان ، [٢] وتكاد تناول قرص البدر بالبنان ، متكفّلة للمؤمنين من فزع الدنيا والآخرة بالأمان ، وأقرضنا الله قرضا ، وأوسعنا مدوّنة الجيش [٣] عرضا ، وفرضنا إنصافه مع الأهلّة فرضا ، واستندنا من التّوكل على الله الغنيّ الحميد إلى ظل لواء ، ونبذنا إلى الطّاغية عهده على سواء [٤] وقلنا : ربّنا أنت العزيز ، وكلّ جبّار لعزّك ذليل ، وحزبك هو الكثير ، وما سواه قليل ، أنت الكافي ، ووعدك الوعد الوافي ، فأفض [٥] علينا مدارع [٦] الصّابرين ، واكتبنا من الفائزين بحظوظ رضاك الظّافرين ، وثبّت أقدمنا وانصرنا على القوم الكافرين.
فتحركنا أول الحركات ، وفاتحة مصحف البركات ، في خفّ [٧] من الحشود ، واقتصار على ما بحضرتنا من العساكر المظفّرة والجنود ، إلى حصن آشر البازي المطلّ ، وركاب العدو الضالّ المضلّ ، ومهدي نفثات [٨] الصّل ، [٩] على امتناعه وارتفاعه ، وسمو يفاعه ، [١٠] وما بذل العدو فيه من استعداده ، وتوفير أسلحته وأزواده ،
[١] الكلس ؛ يشبه الجصّ ؛ يبيض به ، ويتخذ للبناء بين الآجر ، واللّبن.
[٢] العنان : السحاب.
[٣] يريد الجيش الرسمي الذي كان مدونا في سجلات الدولة. وفي مقدمة الإحاطة ١ / ١٩ ، ٣٦ وصف للجيش الأندلسي ، وسلاحه ، وأقسامه ، وذكر لمقدار ما كان يأخذه كل شهر. وانظر اللمحة البدرية ص ٢٧.
[٤] نبذ العهد : نقضه ، وألقاه إلى من كان بينه وبينه. والتعبير مقتبس من الآية ٥٨ من سورة الأنفال.
[٥] أفض : أفرغ.
[٦] جمع مدرع : وهو ضرب من الثياب. والكلام على التوسّع.
[٧] الخف : الخفيف.
[٨] نفثت الحية السم : إذا لسعت بأنفها ، فإذا عضت بنابها قيل : نشطت.
[٩] الصل (بالكسر) : الحية التي لا تنفع فيها الرقية.
[١٠] اليفاع : ما ارتفع من الأرض.