رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٤١ - فصل
و أهل جنته من النعيم الذي لا يشوبه نقص و لا تنغيص، إذ كان نعيم الدنيا مشوبا بالبؤس، و لذاتها بالآلام، و سرورها بالحزن، و راحتها بالنّصب، و عزّتها بالذّل، و صفوها بالكدر، و غناها بالفقر، و صحتها بالسّقم؛ و أهلها فيها معذّبون في صورة المنعّمين، مغتمّون في صورة المغبوطين، مغرورون في صورة الواثقين، مهانون في صورة المكرّمين، وجلون غير مطمئنين، خائفون غير آمنين، مترددون بين الأضداد، من نور و ظلمة، و ليل و نهار، و شتاء و صيف، و حرّ و برد، و رطب و يابس، و نوم و يقظة، و جوع و شبع، و عطش و ريّ، و راحة و تعب، و شباب و هرم، و قوة و ضعف، و حياة و موت، و ما شاكل ذلك من الأمور التي أهل الدنيا و ابناؤها مترددون بينها، متحيّرون فيها، مدفوعون إليها. فأراد ربّك أن يخلصهم من هذه الآلام المشوبة باللذات، و ينقلهم منها إلى نعيم لا بؤس فيه، و لذة لا يشوبها ألم، و سرور بلا حزن، و فرح بلا غمّ، و عزّ بلا ذلّ، و كرامة بلا هوان، و راحة بلا تعب، و صفو لا يخالطه كدر، و أمن بلا خوف، و غنى بلا فقر، و صحّة بلا سقم، و حياة بلا موت، و شباب بلا هرم، و مودّة لازمة، و نور لا يشوبه ظلام، و يقظة بلا نوم، و ذكر بلا غفلة، و علم بلا جهالة، و صداقة بلا عداوة بين اهلها، و لا حسد و لا غيبة، اخوانا على سرر متقابلين، آمنين مطمئنين أبد الآبدين و دهر الداهرين.
و لما لم يمكن أن يكون الإنسان هناك بهذا الجسد الفاني و الجسم الثقيل المستحيل الطويل العريض العميق المظلم المركّب من أجزاء الأركان المتضادة، المؤلفة من الاخلاط الأربعة، إذ كان لا يليق بمن هذه سبيله من تلك الأوصاف الصافية و الأحوال الباقية، اقتضت العناية بواجب حكمة الباري، جلّ ثناؤه، أن ينشأ نشوءا آخر، كما ذكر اللّه، جلّ ثناؤه، بقوله: «وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى، فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ» يعني النشأة الأخرى.
و قال: «وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ» و قال: «ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ».