رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٣٧ - فصل في نوادر الفلاسفة في الموسيقى
الكبير صغيرا و الصغير كبيرا، و القريب بعيدا و البعيد قريبا، و المتحرّك ساكنا و الساكن متحركا، و المستوي معوجّا و المعوجّ مستويا.
و قال آخر: ان جوهر النفس لما كان مجانسا و مشاكلا للأعداد التأليفيّة، و كانت نغمات ألحان الموسيقار موزونة، و أزمان حركات نقراتها و سكونات ما بينها متناسبة، استلذّت بها الطباع، و فرحت بها الأرواح، و سرّت بها النفوس، لما بينها من المشاكلة و التناسب و المجانسة، و هكذا حكمها في استحسان الوجوه، و زينة الطبيعيّات، لأن محاسن الموجودات الطبيعيّة هي من أجل تناسب صنعتها و حسن تأليف أجزائها.
و قال آخر: انما تشخص أبصار الناظرين إلى الوجوه الحسان، لأنها أثر من عالم النفس، و لأن عامّة المرئيّات في هذا العالم غير حسان، لما يعرض لها من الآفات المشينة[١] المشوّهة، إما في أصل التركيب أو بعده، و بيان ذلك أن الصّغار من المواليد يكونون ألطف بنية و أظرف شكلا و صورة لقرب عهدها من فراغ الصّانع منها، و هكذا حكم ما يرى من حسن الثياب و رونقها في مبدإ كونها قبل الآفات العارضة لها من الهوامّ[٢] و البلى و الفساد.
و قال آخر: انما تشخص أبصار النفوس الجزئيّة نحو المحاسن اشتياقا إليها، لما بينها من المجانسة، لأن محاسن هذا العالم من آثار النفس الكلّيّة الفلكية.
و قال آخر: إن وزن نقرات وتر الموسيقار، و تناسب ما بينها، و لذيذ نغماتها تنبىء النفوس الجزئيّة بأن لحركات الأفلاك و الكواكب نغمات متناسبة مؤتلفة لذيذة.
و قال آخر: إذا تصوّرت رسوم المحسوسات الحسان في الأنفس الجزئية، صارت هذه مشاكلة و مناسبة للنّفس الكلّية، و مشتاقة نحوها، و متمنّية للّحوق بها، فإذا فارقت الهيكل الجسدانيّ ارتقت إلى ملكوت السماء و لحقت
[١] -المشينة: لم تذكر المعاجم من هذا الفعل الا الثلاثي المجرد، فصوابه الشائنة.
[٢] -الهوامّ: الحشرات.