رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٨٣ - فصل في أن النار من الأدوات المفيدة في الصناعة
الناطور و الدّيدبان[١] و أصحاب المراتب يكفيهم في صناعتهم العينان حسب؛ و منهم من يستعمل في صنعته عضوين كالحاكي و النائحة، باليد و اللسان؛ و منهم من يحتاج إلى استعمال جسده كلّه كالرّقّاص و السابح؛ و من الصنّاع من يحتاج في صنعته إلى المشي كالساعي و الماسح؛ و منهم من يحتاج إلى القعود دائما كالرّفّاء[٢] و الندّاف؛ و من الصنّاع من لا يحتاج في صناعته إلّا إلى أداة واحدة، كالبوّاق و الزمّار و الدفّاف؛ و منهم من يحتاج إلى أداتين كالخيّاط و الكاتب، فإن الخيّاط يكفيه في صنعته الإبرة و المقصّ، و الكاتب يكفيه القلم و الدواة، و أما استعمال الكاتب السّكين فليس من صناعة الكتابة، و لكن من صناعة النّجارة؛ و من الصناع من يحتاج إلى القيام دائما في صناعته كالحلّاج[٣] و دقّاق الأرزّ و الذي يدير الدّولاب برجليه.
فصل في أن النار من الأدوات المفيدة في الصناعة
و اعلم يا أخي بأن أكثر الصنائع لا بدّ من استعمال النّار فيها، و كلّ صانع استعمل النار في صناعته فلأحد أسباب ثلاثة، إما في موضوعه كالحدّادين و الصّفّارين و الزّجّاجين، و من يطبخ الجصّ[٤] و النّورة[٥] و أمثالهم، و غرضهم هو تليين الهيولى لقبول الصورة و الأشكال، و ذلك انه لما كانت موضوعاتهم أحجارا صلبة لا تقبل الصّورة و الأشكال إلّا بعد تليين بالنار، فإذا لانت أمكن الصّانع ان يصنع الصنعة التي في فكره، فتصير الهيولى بعد قبولها
[١] -الديدبان: الرقيب و الطليعة.
[٢] -الرفاء: الذي يصلح الثوب، اي ينسج الخرق فيه.
[٣] -الحلاج: الّذي يحلج القطن.
[٤] -الجصّ: اي الجبسين، المعروف بالجفصين.
[٥] -النورة: حجر الكلس، ثم غلبت على اخلاط تضاف الى الكلس من زرنيخ و غيره، و تستعمل لازالة الشعر.