رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٩٣ - فصل في اشتقاق المنطق و انقسام النطق إلى قسمين
و الخطيّة هي نقوش خطّت بالأقلام في وجوه الألواح و بطون الطّوامير[١] مدركة بالقوّة الباصرة بطريق العينين.
و اعلم أن الحروف الخطّيّة إنما وضعت سمات ليستدلّ بها على الحروف اللّفظيّة، و الحروف اللّفظيّة وضعت سمات ليستدلّ بها على الحروف الفكريّة، و الحروف الفكريّة هي الأصل.
|
إن الكلام لفي الفؤاد، و إنما |
جعل اللّسان على الفؤاد دليلا |
|
و سنبيّن ماهيّتها في فصل آخر.
و اعلم أن الحروف اللّفظيّة إنما هي أصوات تحدث في الحلقوم و الحنك، و بين اللّسان و الشفتين عند خروج النّفس من الرّئة بعد ترويحها الحرارة الغريزيّة التي هي في القلب، و هي ثمانية و عشرون حرفا في اللّغة العربية، و أما في سائر اللّغات فربما تزيد و تنقص، و قد بيّنّا علّة ذلك في رسالة اختلاف اللّغات. و اعلم أن الحروف إذا ألّفت صارت ألفاظا، و الألفاظ إذا ضمّنت المعاني صارت أسماء، و الأسماء إذا ترادفت صارت كلاما، و الكلمات إذا اتّسقت صارت أقاويل. و الأقاويل نوعان: موزون و نثر، فالموزون كالشّعر و الرّجز و القوافي، و النّثر نوعان، فمنه فصاحة و بلاغة، و منه مخاطبات و محاورات، و الخطاب نوعان، فمنه ما يتكلّم به جمهور الناس فيما بينهم في طلب حاجاتهم بلا احتجاج و لا خصومة، و منه ما يتكلّمون به في دعاويهم و خصوماتهم باحتجاج و براهين. و الدعاوي و الخصومات نوعان: إما في أمور الدنيا، و إما في أمور الديانات و المذاهب و العلوم.
و لما كانت البراهين على صحّة الدعاوي التي في أمور الدنيا لا تكون إلّا
[١] -الطوامير: الصحف.