رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٥٧ - فصل في الحرص و الزهد و درجات الناس
هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً، يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ»[١] الآية.
و قال تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» و قال تعالى: «تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ» الآية، و آيات كثيرة في القرآن في ذكر هؤلاء و مدحهم و حسن الثناء عليهم.
ثم إن اللّه، جلّ ثناؤه، رفع من هؤلاء طائفة في الدرجات، و هم الزاهدون في الدنيا، العارفون عيوبها، الراغبون في الآخرة، المتحقّقون بها، الراسخون في علمها، و هم أولياء اللّه المخلصون، و عباده المؤمنون، و صفوته من خلقه أجمعين، الذين سمّاهم الباري تعالى أولي الألباب، و أولي الأبصار، و أولي النّهى، و أخلصهم بخالصة ذكرى الدار التي هي الحيوان[٢]، و إليهم أشار بقوله سبحانه: «وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ» و قوله: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ» و آيات كثيرة في القرآن في ذكرهم و مدحهم و حسن الثناء عليهم.
و اعلم يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، بأن للمؤمنين فضائل كثيرة من محاسن الأخلاق و مكارم الأفعال و فضائل الأعمال و جميل الفعال[٣] لا يمكن أن تجمع كلّها في شخص واحد، بل في عدّة أشخاص، فمقلّ و مكثر، و لكن ليس بعد العلم و الايمان خصلة للمؤمنين، و لا خلق من أخلاق الكرام أشرف و لا أجلّ و لا أفضل من الزّهد في الدنيا و الرغبة في الآخرة، و ذلك أن الزّهد في الدّنيا، انما هو ترك فضول متاع الحياة الدّنيا و ترك طلب شهواتها، و الرضى بالقليل، و القناعة باليسير من الذي لا بدّ منه، و هذه خصلة تتبعها خصال كثيرة من محاسن الأخلاق و فضائل الأعمال و جميل الأفعال.
[١] -قانت: قائم بوظائف الطاعات. آناء الليل: ساعاته.
[٢] -بخالصة ذكرى الدار: اي هي ذكرى الدار، و المراد بها الآخرة، اي ذكرها و العمل لها. الحيوان: الحياة الباقية في النعيم.
[٣] -الفعال بفتح الفاء: اسم الفعل، الحسن و الكرم.