رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٠٤ - فصل في تأثير طبيعة البلدان في الأخلاق
و الدليل على ما قلنا أن مزاج أبدان أهل البلدان الجنوبية من الحبشة و الزّنج و النّوبة و أهل السّند و أهل الهند، فإنه لما كان الغالب على أهوية بلادهم الحرارة بمرور الشمس على سمت تلك البلاد في السنة مرّتين، سخنت أهويتها، فحمي الجوّ، فاحترقت ظواهر أبدانهم، و اسودت جلودهم، و تجعّدت شعورهم لذلك السبب، و بردت بواطن أبدانهم، و ابيضّت عظامهم و أسنانهم، و اتسعت عيونهم و مناخرهم و أفواههم بذلك السبب.
و بالعكس في هذا حال أهل البلدان الشمالية، و علّتها أن الشمس لما بعدت من سمت تلك البلاد، و صارت لا تمرّ عليها لا شتاء و لا صيفا، غلب على أهويتها البرد، و ابيضت لذلك جلودهم، و ترطّبت أبدانهم، و احمرّت عظامهم و أسنانهم، و كثرت الشجاعة و الفروسة فيهم، و سبطت شعورهم، و ضاقت عيونهم، و استجنّت الحرارة في بواطن أبدانهم لذلك السبب. و على هذا القياس توجد صفات أهل البلدان المتضادّة بالطباع و الأهوية، يكونون مختلفين في الطباع و الأخلاق في أكثر الأمر و أعمّ الحالات.
و إذ قد تبيّن بما ذكرنا طرف من تغيّر أخلاق الناس من جهة اختلاف ترب البلاد، و تغير أهويتها، فنريد أن نذكر طرفا من أسباب موجبات أحكام النجوم فنقول: ان الذين يولدون بالبروج الناريّة في الأوقات التي يكون المستولي عليها الكواكب الناريّة مثل المرّيخ و قلب الأسد و ما شاكلهما من الكواكب، فإن الغالب على أمزجة أبدانهم الحرارة و قوة الصفراء؛ و الذين يولدون بالبروج المائيّة في الأوقات التي يكون المستولي عليها الكواكب المائية مثل الزّهرة و الشّعرى اليمانية، فإن الغالب على أمزجة أبدانهم يكون الرطوبة و البلغم، و هكذا الذين يولدون بالبروج التّرابيّة في الأوقات التي يكون المستولي عليها زحل و ما شاكله من الكواكب الثابتة، فإن الغالب على أمزجة أبدانهم اليبوسة و المرّة السوداء؛ و هكذا الذين يولدون بالبروج الهوائيّة في الأوقات التي يكون المستولي