رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٨٧ - فصل في عظات مختلفة
تقتدي بهم و تسلك طريقهم؛ و استعن بالله و اسأله التوفيق؛ و انظر إن استوى لك أن تكون في أعلى المراتب، فلا ترض لنفسك بأدونها، و احذر مخالفتهم و ترك الاقتداء بهم، فإنهم أئمة الهدى و مصابيح الدّجى، و الدعاة و الهداة إلى سبيله بالحكمة و الموعظة الحسنة، و هم حجج اللّه على خلقه، و صفوته من عباده، فالمفلح من اتّبعهم، و الخاسر من خالف طريقهم، هم صفوة اللّه و خيرته من خلقه.
و اعلم يا أخي بأنه ليس بين اللّه، عزّ و جلّ، و بين أحد من خلقه من قرابة، و أن أكرم عباده عنده أتقاهم، و أحبّهم إليه أطوعهم له، و أكثرهم له ذكرا، و أكيسهم في الأمور، و أشدّهم اجتهادا، و أشدّهم استعدادا للرّحلة من الدّنيا إلى الآخرة، و أكثرهم زادا للمعاد.
و اعلم أن أخفّهم مؤنة في الدنيا و أروحهم قلبا من زهد فيها، فبادر يا أخي و تزوّد من الدّنيا لطريق الآخرة، فإن خير الزّاد التقوى، فسارع إلى الخيرات و نافس في الدرجات قبل فناء العمر و نفاد الأجل و قرب الفوت.
و اعلم يا أخي بأن خير مناقب الإنسان العقل، و أفضل خصاله العلم، و لكل شيء خاصّيّة، و خاصّيّة العقل صحة التمييز، و معرفة الحقائق، و السيرة العادلة، و حسن الاختيار، فانظر الآن إن كنت عاقلا، و اختر من الأمور أفضلها، و من الأخلاق أجملها، و من الأعمال خيرها، و من المراتب أشرفها، و من المنافع أعمّها و أدومها.
و اعلم يا أخي بأن الآخرة أفضل من الدّنيا، و أهلها أفضل من أهل الدّنيا، و أخلاقهم أكرم من أخلاقهم، و سيرتهم أعدل من سيرتهم، و مراتبهم أشرف، و نعيمهم أدوم، و سرورهم أبقى، و لذّاتهم أخلص، فانظر الآن على ما يقع اختيارك، و كيف يكون، و لأيّهما تعمل، و لا يكن إيثارك، إن كنت عاقلا، إلّا للآخرة فقد تبيّن لك الرّشد من الغيّ، و عرفت الضلالة من الهدى، و ميّزت الصّواب من الخطإ، و علمت الحق من الباطل، و انزاحت