رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٠١ - فصل في أصول الألحان و قوانينها
و الإيقاعات على هذا المقدار من الطول، خرج من الأصل و القانون و القياس أعني من أن تدركها و تميزها القوة الذائقة السّمعيّة، و العلّة في ذلك أن الأصوات لا تمكث في الهواء زمانا طويلا إلّا ريثما تأخذ المسامع حظّها من الطنين، ثم تضمحلّ تلك الأصوات من الهواء الحامل لها المؤدّي إلى المسامع، كما بيّنّا في فصل قبل هذا. و هكذا أيضا طنين الأصوات لا يمكث في المسامع زمانا إلّا ريثما تأخذ القوة المتخيّلة رسومها. ثم تضمحلّ من المسامع تلك الطنينات. و إذا طالت أزمان السكونات بين النقرات و الإيقاعات و زادت على المقدار الذي تقدّم ذكره، اضمحلت النغمة الاولى و طنينها من المسامع قبل ان ترد النغمة الأخرى، فلا تقدر القوة المفكّرة أن تعرف مقدار الزمان الذي بينهما، فتميّزهما و تعرف التناسب الذي بينهما، لأن جودة الذوق في المسامع هي معرفة كميّة الأزمان التي بين النّغمتين، و ما بين أزمان السّكونات و بين أزمان الحركات من التناسب و المقدار. و على هذا المثال يجري حكم سائر المحسوسات و القوى الحاسّة المدركة لها. و ذلك ان القوة الباصرة أيضا لا تقدر أن تعرف مقدار أبعاد ما بين المرئيّات إلّا إذا كانت متقاربة في الأماكن، و أما إذا بعد ما بينها من الأماكن كما بعد ما بين المسموعات بالأزمان، فلا تقدر القوة الباصرة أن تدركها و تميّز البعد ما بينها إلّا بآلات هندسيّة كالذّراع و الأشل و الباب و القبضة و الأصابع، كما بيّنا في رسالة الجومطريا. و هكذا إذا بعد ما بين أزمان الحركات بطول أزمان السّكونات، فلا تقدر القوة الذائقة السامعة أن تدركها و تعرف بعد ما بينها إلّا بآلات رصدية كالطّرجهارات[١] و الشّياهين[٢] و الأصطرلاب[٣] و ما شاكلها من آلات الرّصد. فأما إن كانت
[١] -الطرجهارات: شبه كؤوس يشرب فيها، كالفناجين.
[٢] -الشياهين: جمع شاهين، و هو عمود الميزان.
[٣] -الاصطرلاب: آلة يعرف بها قياس الشمس و الكواكب، يوناني معرّب.