رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢١٣ - فصل في أن لحركات الأفلاك نغمات كنغمات العيدان
و اعلم يا أخي بأن لكل نفس من المؤمنين أبوين في عالم الأرواح، كما أن لأجسادهم أبوين في عالم الأجساد، كما قال رسول اللّه، صلى اللّه عليه و سلم، لعليّ، رضي اللّه عنه: أنا و أنت يا علي أبوا هذه الأمّة. قال اللّه تعالى:
«مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ، هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ». و هذه الأبوّة روحانيّة لا جسمانية. فنرجع إلى ما كنّا فيه فنقول: إن الحكماء الموسيقاريّين إنما اقتصروا من أوتار العود على أربعة لا أقلّ و لا أكثر، لتكون مصنوعاتهم مماثلة للأمور الطبيعية التي دون فلك القمر، اقتداء بحكمة الباري، جلّ ثناؤه، كما بيّنّا في رسالة الأرثماطيقي، فوتر الزّير مماثل لركن النّار، و نغمته مناسبة لحرارتها و حدّتها؛ و المثنى مماثل لركن الهواء، و نغمته مناسبة لرطوبة الهواء و لينه؛ و المثلث مماثل لركن الماء، و نغمته مناسبة لرطوبة الماء و برودته؛ و البمّ مماثل لركن الأرض، و نغمته مماثلة لثقل الأرض و غلظها. و هذه الأوصاف لها بحسب مناسبة بعضها إلى بعض، و بحسب تأثيرات نغماتها في أمزجة طباع المستمعين لها، و ذلك أن نغمة الزير تقوّي خلط الصفراء، و تزيد في قوّتها و تأثيرها، و تضادّ خلط البلغم و تلطّفه؛ و نغمة المثنى تقوّي خلط الدّم، و تزيد في قوته و تأثيره، و تضادّ خلط السوداء و ترقّقه و تليّنه؛ و نغمة المثلث تقوّي خلط البلغم، و تزيد في قوّته و تأثيره، و تضادّ خلط الصّفراء، و تكسر حدّتها؛ و نغمة البمّ تقوي خلط السوداء، و تزيد في قوتها و تأثيرها، و تضادّ خلط الدّم، و تسكّن فورانه. فإذا ألّفت هذه النغمات في الألحان المشاكلة لها، و استعملت تلك الألحان في أوقات الليل و النهار المضادّة طبيعتها طبيعة الأمراض الغالبة و العلل العارضة، سكّنتها و كسرت سورتها، و خفّفت على المرضى آلامها، لأن الأشياء المتشاكلة في الطباع إذا كثرت و اجتمعت، قويت أفعالها و ظهرت تأثيراتها، و غلبت أضدادها، كما يعرف الناس مثل ذلك في الحروب و الخصومات.