رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٢ - فهرست الرسائل
من العالمين الروحاني و الجسماني جميعا، مهيأ مجبول من سوس، هو في الحقيقة خلاصة هذا العالم و ثمرته و زبدته، و كدر ذلك العالم و ثفالته[١]، و أن يكون جوهر آخر المعاني الجسمانية، و أول المعاني الروحانية، فهو كالحد المتاخم لكل العالمين، و كالاصل الصالح لمجموع الكمالين، و كالجوهر الذي هو بإنيّته[٢] معقول، و كيفيته محسوس، و كالشيء الذي بذاته حياة من وجه و ذو حياة من وجه، و كالذات القائم بنفسه من جهة، و القائم بغيره من جهة، و كالمعنى المشير بمضمون فحواه، و يفطن، بمفهومه، لما سواه؛ و من وجه آخر كالفرخ المتفقّىء عنه البيضة الذي هو له كمال من وجه و منتهى للكمال من وجه آخر، فهو اللازم للوكر ما دام طائرا بالقوة، فاذا استكمل طار فصار طائرا بالفعل؛ و كالزاوية التي يوجد ذاتها متوسطة بين المتجزئ و غير المتجزئ، ثم النقطة جامعة لحاليهما أعني البسيط و المركب، و كالنبوة التي هي ممتدة إلى الروحانيين بخط، و إلى الجسمانيين بخط، ثم الوحي جامع بين طرفيهما، و الإلهام حاو لحدّيهما؛ و كنهاية المحيط التي هي السطح لذي مكان و ليس له مكان.
و الغرض من هذه الرسالة هو الإخبار عن حال الأنفس البسيطة قبل تشخيصها و اتصالها بالأجسام الجزئية و الأشخاص الحسية، و علة اتصالها مدة، و حال مفارقتها عند بلوغ نهايتها؛ و كيف يعرف الإنسان هويته و إنيّته و كيفية نفسه و حقيقة ذاته، و أنه مجموع فيه معاني الموجودات كلها، فهو كالكل، و محيط بالجميع، فينتبه كذلك، و يتأمل الصواب و الفرصة مدة حياته، فيقصده[٣] و يقتنبه و يحتويه، إذ لذلك أنشأه منشيه فيعبده و يبديه و يديمه و يبقيه، و هو يبليه و يشفيه و يهديه لينجّيه فيفوز بالبقاء و النعيم المقيم، و اللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
[١] -الثفالة: الخثارة، و هي ما رسب تحت الشيء من كدورته كخثارة الزيت و المرق و ما أشبه.
و لم نجد الثفالة في المعاجم التي بين أيدينا، و إنما وجدنا الثفل. فاستعمالها هنا على قياس الخثارة.
[٢] -الإنية: تحقق الوجود العيني من حيث رتبته الذاتية.
[٣] -يقصده: أي يقصد الصواب.