رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٠٣ - فصل في تأثير طبيعة البلدان في الأخلاق
أو الغرب، أو على رءوس الجبال، أو في بطون الأدوية و الأغوار، أو على سواحل البحار، أو شطوط الأنهار، أو في البراري و القفار، أو في الآجام و الدّحال[١]، و الأرض ذات الرّملة و الأرضين السّباخ[٢] السّهلة، أو في البقاع الصخريّة و الحجارة و الحصى و الرّمال، أو في الأرضين السهلة و التّربة الليّنة بين الأنهار و الاشجار و الزّروع و البساتين و الزّهر و النّور. و أيضا فإن أهوية البلاد و البقاع تختلف بحسب اختلاف تصاريف الرياح الأربع و نكباواتها[٣]، و بحسب مطالع البروج عليها، و مطارح شعاعات الكواكب عليها من آفاقها، و هذه كلّها تؤدّي إلى اختلاف أمزجة الأخلاط؛ و اختلاف أمزجة الاخلاط يؤدّي إلى اختلاف أخلاق أهلها و طباعهم و ألوانهم و لغتهم و عاداتهم و آرائهم و مذاهبهم و أعمالهم و صنائعهم و تدابيرهم و سياساتهم، لا يشبه بعضها بعضا، بل تنفرد كلّ أمة منها بأشياء من هذه التي تقدّم ذكرها لا يشاركها فيها غيرها.
مثال ذلك ان الذين يولدون في البلاد الحارّة و يتربّون هناك، و ينشئون على ذلك الهواء، فان الغالب على باطن أمزجة أبدانهم البرودة؛ و هكذا أيضا الذين يولدون في البلدان الباردة، و يتربّون هناك، و ينشئون على ذلك الهواء، يكون الغالب على باطن أمزجة أبدانهم الحرارة، لأن الحرارة و البرودة هما ضدّان لا يجتمعان في حال واحدة، في موضع واحد، و لكن إذا ظهر أحدهما، استبطن الآخر و استجنّ[٤] ليكونا موجودين في دائم الأوقات، إذ كانت المكوّنات لا وجود لها و لا قوام إلّا بهما.
[١] -الدّحال: جمع دحل، و هو هوة تكون في الارض، و في اسافل الاودية، يكون في و أسها ضيق ثم يتسع أسفلها.
[٢] -السباخ، جمع سبخة: و هي الارض ذات نزّ و ملح.
[٣] -النكباوات، جمع نكباء: و هي ريح انحرفت و وقعت بين ريحين.
[٤] -استجن: استتر به.