رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٨٤ - الرسالة الخامسة من القسم الرياضي في الموسيقى
النغمات و الاصوات ما يحرّك النفوس نحو الاعمال الشاقة، و الصنائع المتعبة، و ينشّطها و يقوّي عزماتها على الافعال الصعبة المتعبة للأبدان، التي تبذل فيها مهج النفوس و ذخائر الاموال، و هي الالحان المشجعة التي تستعمل في الحروب، و عند القتال في الهيجاء، و لا سيما إذا غنّي معها بأبيات موزونة في وصف الحروب و مديح الشجعان مثل قول القائل:
|
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي |
بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا |
|
و مثل قول البسوس بنت منقذ:
|
لعمري لو أصبحت في دار منقذ |
لما ضيم سعد و هو جار لأبياتي |
|
|
و لكنني أصبحت في دار غربة |
متى يعد فيها الذّئب يعد على شاتي |
|
|
فيا سعد لا تغرر بنفسك و ارتحل، |
فإنك في قوم عن الجار أموات |
|
فان هذه الأبيات و اخواتها يقال إنها كانت سببا لإثارة أقوام إلى الحرب و القتال بين قبيلتين من قبائل العرب سنين متواترة. و من الأبيات الموزونة أيضا ما يثير الأحقاد الكامنة، و يحرّك النفوس الساكنة، و يهلب نيران الغضب مثل قول القائل:
|
و اذكروا مصرع الحسين و زيد |
و قتيلا بجانب المهراس |
|
فإن هذه الأبيات و أخواتها أيضا أثارت أحقادا بين أقوام و حرّكت نفوسهم، و التهبت فيها نيران الغضب، و حثّتهم على قتل أبناء الاعمام و الأقرباء و العشائر، حتى قتلوهم بذنوب آبائهم و وزر أجدادهم، و لم يرحموا منهم أحدا. و من الألحان و النغمات أيضا ما يسكّن سورة الغضب و يحلّ الأحقاد و يوقع الصّلح، و يكسب الألفة و المحبة، فمن ذلك ما يحكى ان في بعض مجالس الشّراب اجتمع رجلان متغاضبان، و كان بينهما ضغن قديم و حقد كامن، فلما دار الشّراب بينهما ثار الحقد و التهبت نيران الغضب،