رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٨٥ - الرسالة الخامسة من القسم الرياضي في الموسيقى
و همّ كلّ واحد منهما بقتل صاحبه. فلما أحسّ الموسيقار بذلك منهما، و كان ماهرا في صناعته، غيّر نغمات الأوتار، و ضرب اللحن المليّن المسكّن و أسمعهما؛ و دوام حتى سكّن سورة الغضب عنهما، و قاما فتعانقا و تصالحا.
و من الألحان و النغمات ما ينقل النفوس من حال إلى حال و يغيّر أخلاقها من ضدّ إلى ضدّ، و من ذلك ما يحكى ان جماعة كانت، من أهل هذه الصّناعة، مجتمعة في دعوة رجل رئيس كبير، فرتّب مراتبهم في مجلسه، بحسب حذقهم في صناعتهم، إذ دخل عليهم إنسان رثّ الحال، عليه ثياب رثّة، فرفعه صاحب المجلس عليهم كلهم، و تبيّن إنكار ذلك في وجوههم، فأراد أن يبيّن فضله، و يسكّن عنهم غضبهم، فسأله ان يسمعهم شيئا من صناعته، فأخرج الرجل خشبات كانت معه فركّبها، و مدّ عليها أوتاره و حرّكها تحريكا، فأضحك كلّ من كان في المجلس من اللذّة و الفرح و السرور الذي حلّ داخل نفوسهم، ثم قلبها و حرّكها تحريكا آخر أبكاهم كلهم من رقة النغمة و حزن القلوب، ثم قلبها و حرّكها تحريكا نوّمهم كلهم، و قام و خرج، فلم يعرف له خبر.
فقد تبيّن بما ذكرنا ان لصناعة الموسيقى تأثيرات في نفوس المستمعين مختلفة كاختلاف تأثيرات صناعات الصّنّاع في الهيوليّات الموضوعة في صناعاتهم، فمن أجلها يستعملها كل الامم من بني آدم و كثير من الحيوانات ايضا. و من الدليل على ان لها تأثيرات في النفوس استعمال الناس لها، تارة عند الفرح و السرور في الاعراس و الولائم و الدعوات، و تارة عند الحزن و الغم و المصائب و في المآتم؛ و تارة في بيوت العبادات و في الأعياد، و تارة في الاسواق و المنازل، و في الاسفار و في الحضر، و عند الراحة و التعب، و في مجالس الملوك و منازل السّوقة، و يستعملها الرجال و النساء و الصّبيان و المشايخ و العلماء و الجهّال و الصّناع و التّجار و جميع طبقات الناس.