رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٣٦ - فصل
أشياء كانت مباحة لهم، و جائزا أن يفعلوها في بيوتهم و أسواقهم و مجالسهم و طرقاتهم: كلّ ذلك ليكون دلالة لكلّ عاقل فهم انه هكذا ينبغي ان تكون سيرة من يريد أن يدخل الجنة و يعرج بروحه إلى ملكوت السماوات، طول عمره و أيام حياته كلّها، لتصير عادة له و جبلة و طبيعة ثابتة، فيستحقّ و يستأهل أن يعرج بروحه إلى هناك كما ذكر اللّه تعالى بقوله: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ» يعني روح المؤمن. فإذا تفكّر كل عاقل فيما يسمع من الخطب على المنابر في كل الديانات و الملل في الأعياد و الجمعات، تبيّن له حقيقة ما قلنا و صحة ما وصفنا.
و اعلم يا أخي أن لواضعي النواميس وصايا كثيرة مفنّنة، لأن دعوتهم عموم للخاصّ و العام جميعا، و هم، أعني أتباعهم، مختلفو الأحوال، فبيّنوا لكل طبقة ما ينبغي و يصلح لها، و لكن الذي عمّهم كلّهم هي الدعوة إلى الإقرار بما جاءوا به و التصديق لهم بما خبّروا عنه من الأمور الغائبة، علم ذلك أتباعهم أو لم يعلموا، هذا هو الإيمان كما قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً» فآمنوا بالله و رسوله. ثم أمرهم بعد هذا بأشياء، و نهاهم عن أشياء كثيرة هي معروفة معلومة عند علماء أهل الشريعة و فقهائهم، و لكن آخر ما ختمها به قوله: وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ» و يروى في الخبر أن هذا آخر ما نزل من القرآن.
و اعلم يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، بأن أوامر اللّه تعالى لعباده مماثلة لأوامر الملوك، و ذلك ان من سنّة الملوك و الخلفاء و كثير من الرؤساء، و من آدابهم انهم إذا تفرّس أحدهم في أحد أولاده أو عبيده النجابة و الفلاح، عني به أفضل عناية، في تعليمه و تأديبه و رياضته، و حماه من اللعب و اللهو و الانهماك في الشهوات، و نهاه عن ترك الآداب، و سوء الأخلاق و ما لا يليق بأخلاق الرؤساء و العقلاء و الأخيار: كلّ ذلك ليتخرّج