رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٥١ - فصل في المعلومات البرهانية و الأمور الروحية
فصل في المعلومات البرهانية و الأمور الروحية
و اعلم يا أخي بأن الإنسان العاقل اللبيب إذا أكثر التأمّل و النظر إلى الأمور المحسوسة، و اعتبر أحوالها بفكرته، و ميّزها برويّته، كثرت المعلومات العقلية في نفسه. و إذا استعمل هذه المعلومات بالقياسات، و استخرج نتائجها، كثرت المعلومات البرهانية في نفسه. و كلّ نفس كثرت معلوماتها البرهانية، كانت قوتها على تصوّر الأمور الروحانية التي هي صورة مجرّدة عن الهيولى بحسب ذلك، و عند ذلك تشبّهت بها و صارت مثلها بالقوّة. فإذا فارقت الجسد عند الممات صارت مثلها بالفعل، و استقلّت بذاتها، و نجت من جهنّم عالم الكون و الفساد، و فازت بالدخول إلى الجنّة عالم الأرواح التي هي دار الحيوان، لو كانوا يعلمون أبناء الدّنيا الذين يريدون الحياة الدّنيا، و يتمنّون الخلود فيها: «يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ، وَ ما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ». فأعيذك أيها الأخ أن تكون منهم، بل كن من أبناء الآخرة و أولياء اللّه الذين مدحهم بقوله تعالى توبيخا لمن زعم أنه منهم فقال، جلّ جلاله: «قُلْ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا[١] إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ». فبادر يا أخي و اجتهد في طلب المعارف الرّبانيّة و اكتساب الأخلاق الملكيّة، و سارع إلى الخيرات من الأعمال الزكيّة قبل فناء العمر و تقارب الأجل، و اغتنم خمسا قبل خمس، قال رسول اللّه، صلى اللّه عليه و سلم: اغتنم فراغك قبل شغلك، و غناك قبل فقرك، و صحّتك قبل سقمك، و شبابك قبل هرمك، و حياتك قبل موتك، و تزوّد فإن خير الزّاد التقوى، فلعلك توفّق للصعود إلى ملكوت السماء و سعة الأفلاك، و تدخل إلى الجنّة عالم الأرواح بنفسك الزكيّة الروحانيّة،
[١] -هادوا: انتحلوا دين اليهود.