رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٤٥ - فصل في علم أحكام النجوم
و التأمّل لتصاريف أمورها، فجهلوا ذلك و أنكروه، و عادوا أهلها و ناصبوهم العداوة و البغضاء. و أما الذين ذكروا أن لها مع دلالاتها أفعالا و تأثيرات في الكائنات التي تحت فلك القمر، فانما عرفوا ذلك بطريق آخر غير طريق أصحاب الاحكام، و بحث أشدّ من بحثهم، و اعتبار أكثر من اعتبارهم، و هو طريق الفلسفة الرّوحانية و العلوم النّفسانية، و تأييد إلهيّ و عناية ربّانية. و نريد أن نذكر من هذا الفن طرفا ليكون إرشادا للمحبّين للفلسفة و الراغبين فيها، و دلالة لهم عليها و رغبة فيها، أعني علم الفلسفة.
فاعلم يا أخي، أيّدك اللّه و إيانا بروح منه، أن كواكب الفلك هم ملائكة اللّه و ملوك سماواته، خلقهم اللّه تعالى لعمارة عالمه، و تدبير خلائقه، و سياسة بريّته، و هم خلفاء اللّه في أفلاكه، كما ان ملوك الأرض هم خلفاء اللّه في أرضه، خلّفهم و ملّكهم بلاده، و ولّاهم على عباده، ليعمروا بلاده و يسوسوا عباده، و يحفظوا شرائع أنبيائه، بإنفاذ احكامهم على عباده، و حفظ نظامهم على أحسن حالات ما يتأتّى فيهم، و أتمّ غايات ما يمكنهم من البلوغ إليها، و أفضل نهايات ما يصلون إليها، إمّا في الدنيا و إما في الآخرة.
فعلى هذا المثال و القياس تجري أحكام هذه الكواكب في هذه الكائنات التي تحت فلك القمر، و لها أفعال لطيفة و تأثيرات خفيّة تدقّ على أكثر الناس معرفتها و كيفيتها كما تدقّ على الصّبيان و الجهّال معرفة كيفية سياسة الملوك و تدبيرهم في رعيّتهم، و إنما يعرف ذلك منها العقلاء و البالغون المتأملون للأمور، فهكذا أيضا لا يعرف كيفيّة تأثيرات هذه الكواكب و أفعالها في هذه الكائنات إلّا الراسخون في العلوم من الحكماء و الفلاسفة، البالغون في المعارف الربّانيّة، الناظرون في العلوم الإلهية، المؤيّدون من السماء بتأييد اللّه و إلهامه لهم.