رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٥٤ - فصل في فضيلة علم النسب العددية و الهندسية و الموسيقية
الإبريز؛ و متى لم تكن أجزاؤهما على تلك النّسبة و قصّرت حرارة المعدن عن طبخهما صارت فضة بيضاء؛ و متى كانت أجزاء الكبريت زائدة الحرارة نشفت رطوبة الزّئبق، و غلب اليبس عليها، و صارت نحاسا أحمر؛ و متى كان الزّئبق و الكبريت غليظين غير صافيين صار منهما الحديد؛ و متى كان الزّئبق أكثر و الكبريت أقلّ، و الحرارة ناقصة، غلب البرد عليها و صارت أسربا[١]. و على هذا القياس تختلف جواهر المعادن بحسب مقادير الزّئبق و الكبريت، و امتزاجهما على النسبة، و الخروج إلى الزيادة و النقصان، و اعتدال طبخ الحرارة لها، و الخروج منها بالإفراط و التقصير.
و على هذا القياس تختلف أشكال الحيوان و النبات، و هيئاتها و ألوانها و طعومها و روائحها على حسب تركيب أجزاء الأركان الأربعة التي هي النار و الهواء و الماء و الأرض، و نسبة مقادير أجزائها، و قوى بعضها من بعض. و من أمثال ذلك ان المولودين من البشر متى كانت كميّة الاخلاط التي ركّبت منها أجسامهم أعني الدم و البلغم و المرّتين في أصل تركيبهم على النسبة الافضل، و لم يعرض لها عارض، كانت أجسادهم صحيحة المزاج، و بنية أبدانهم قويّة، و ألوانهم صافية. و هكذا متى كان تقدير أعضائهم و وضع بعضها من بعض على النسبة الافضل كانت صورهم حسنة، و هيئاتهم مقبولة، و أخلاقهم محمودة؛ و متى كانت على خلاف ذلك كانت أجسادهم مضطربة، و صورهم وحشة، و أخلاقهم غير محمودة؛ و المثال في ذلك المولودون الذين غلبت على أمزجة أبدانهم الحرارة، فإن أجسادهم تكون نحيفة، و ألوانهم سمرا، و يكونون سريعي الحركة و الغضب، زائدين في الشجاعة إلى التهوّر، و من السخاء إلى التبذير. و أما الذين الغالب على أبدانهم البرودة، فإنهم يكونون بطيئي الحركة عبّل[٢] الاجساد، بيض الألوان، قليلي الغضب، زائدين في الجبن و البخل، و قد تبيّن هذا في
[١] -الأسرب: الرصاص الأسود.
[٢] -عبّل: ضخام.