رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١٠ - فصل
وصفت لك. فقال اليهودي: و كيف ذلك؟ فقال: لأني وصفت لك مذهبي فلم تصدقني بقولي حتى حقّقته بفعلي، و أنت بعد لم تعقل ما قلت لك، و ذلك اني قلت لك ان في هذه السماء إلها خبيرا فاضلا عالما عادلا لا يخفى عليه خافية، و هو يجازي المحسنين بإحسانهم، و يكافئ المسيئين بإساعتهم.
قال اليهودي: قد فهمت ما قلت و علمت ما وصفت. فقال له المجوسي:
فما الذي منعك أن تتعظ بما قلت لك يا خوشاك؟ فقال اليهودي: اعتقاد قد نشأت عليه و مذهب قد ألفته و صار عادة و جبلة بطول الدّؤوب فيه، و كثرة الاستعمال له، اقتداء بالآباء و الأمهات و الأستاذين و المعلّمين من أهل ديني و مذهبي، فقد صار جبلة و طبيعة ثابتة، يصعب علي تركها و الاقلاع عنها. فرحمه المجوسيّ و حمله معه حتى جاء به إلى المدينة و سلّمه إلى أهله مكسورا. و حدّث الناس بقصته و حديثه معه، فجعلوا يتعجبون. فقال بعض الناس للمجوسيّ: كيف حملته بعد شدة جفائه بك و قبيح مكافأته إحسانك إليه؟ قال المجوسي: اعتذر إلي و قال: مذهبي كيت و كيت، و قد صار جبلة و طبيعة ثابتة لطول الدّؤوب فيه و جريان العادة به، يصعب الإقلاع عنها و الترك لها، و أنا أيضا قد اعتقدت رأيا و سلكت مذهبا صار لي عادة و جبلة، فيصعب الاقلاع عنها و الترك لها.
و إذ قد تبيّن بما ذكرنا أن العلل الموجبة لاختلاف أخلاق النفوس، و الأسباب المؤدية اليها أربعة أنواع حسب، كما قلنا في أول الرسالة، فنقول الآن ان الأخلاق كلّها نوعان، إما مطبوعة في جبلة النفوس مركوزة فيها، و إما مكتسبة معتادة من جريان العادة و كثرة استعمالها؛ و من وجه آخر أيضا ان الأخلاق نوعان، منها ما هي أصول و قوانين، و منها ما هي فروع و تابعة لها، فنحتاج ان نبيّنها و نفصّلها ليعرف بعضها من بعض، إذ كان هذا الفنّ من المعرفة من العلوم الشريفة النافعة جدّا، و خاصّة لمن له عناية برياضة النفس و تهذيبها و إصلاح أخلاقها، إذ كانت أخلاق النفوس هي أحد الأسباب