رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٦١ - فصل في صفة الأقاليم و ما في الربع المسكون من الأرض مع ما فيها من الجبال و البحار و البراري و الأنهار و المدن و ما في البحار من الجزائر و المدن
الأفلاك كلّ واحد أسفل من الآخر حتى يلزم أن اسفل السافلين هو نصف الفلك المحيط الذي هو أعلى علّيين في دائم الأوقات. و ليس الأمر كما توهّموا لأن هذا رأي يتعقّله الانسان من الصبا بالتوهم بغير رويّة و لا برهان، فإذا ارتاض الانسان في علم الهيئة و الهندسة تبيّن له أن الامر بخلاف ما توهّم قبل.
و ذلك ان أسفل الأرض بالحقيقة هو نقطة وهميّة في عمق الأرض على نصف قطرها و هو الذي يسمّى مركز العالم، و هو عمق باطنها مما يلي مركزها من أي جانب كان من الأرض، لأن مركز الارض هو أسفل السافلين، فأما سطحها الظاهر المماسّ للهواء، و سطح البحار من جميع الجهات فهو فوق، و الهواء المحيط أيضا من جميع الجهات.
و فلك القمر هو فوق فلك الهواء، و فلك عطارد هو فوق فلك القمر، و على هذا القياس سائر الأفلاك، واحد فوق الآخر إلى الفلك التاسع الذي هو فوق كل فوق و هو أعلى علّيّين، و مقابله مركز الأرض أسفل السافلين.
و اعلم يا أخي أن الانسان أيّ موضع وقف على سطح الأرض من شرقها أو غربها أو جنوبها أو شمالها، أو من هذا الجانب أو من ذلك الجانب، وقوفه حيث كان، فقدمه أبدا يكون فوق الأرض، و رأسه إلى فوق، مما يلي السّماء، و رجلاه أسفل، مما يلي مركز الأرض، و هو يرى من السماء نصفها، و النّصف الآخر يستره عنه حدبة الأرض، فإذا انتقل الانسان من ذلك الموضع إلى الموضع الآخر، ظهر له من السماء مقدار ما خفي عنه من الجهة الأخرى، و ذلك المقدار كلّ تسعة عشر فرسخا درجة، و كل فرسخ ثلاثة أميال، كلّ ميل أربعة آلاف ذراع، كلّ ذراع ستّ قبضات، كل قبضة أربع أصابع، كل اصبع ستّ شعيرات.